كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 14)
الْمُتَّقِينَ} [النحل: 30] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقِيلَ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ إِيمَانٍ وَتَقْوَى للَّهِ: {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ، قَالُوا خَيْرًا} [النحل: 30] يَقُولُ: قَالُوا: أَنْزَلَ خَيْرًا، وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَقُولُ: إِنَّمَا اخْتَلَفَ الْإِعْرَابُ فِي قَوْلِهِ: {قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [النحل: 24] وَقَوْلُهُ: {خَيْرًا} [البقرة: 158] وَالْمَسْأَلَةُ قَبْلَ الْجَوَابَيْنِ كِلَيْهِمَا وَاحِدَةٌ، وَهِيَ قَوْلُهُ: {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} [النحل: 24] لِأَنَّ الْكُفَّارَ جَحَدُوا التَّنْزِيلَ، فَقَالُوا حِينَ سَمِعُوهُ: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، أَيْ هَذَا الَّذِي جِئْتَ بِهِ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ وَلَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَصَدَّقُوا التَّنْزِيلَ، فَقَالُوا: خَيْرًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ أَنْزَلَ خَيْرًا، فَانْتَصَبَ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْخَيْرِ، فَلِهَذَا افْتَرَقَا، ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرُ، فَقَالَ: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً} [النحل: 30] وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ
§وَقَوْلُهُ: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً} [النحل: 30] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَرَسُولِهِ، وَأَطَاعُوهُ فِيهَا، وَدَعَوْا عِبَادَ اللَّهِ إِلَى الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ {حَسَنَةً} [البقرة: 201] يَقُولُ: كَرَامَةً مِنَ اللَّهِ، {وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ} [يوسف: 109] يَقُولُ: وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا، وَكَرَامَةُ اللَّهِ الَّتِي أَعَدَّهَا لَهُمْ فِيهَا أَعْظَمُ مِنْ كَرَامَتِهِ الَّتِي عَجَّلَهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، {وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: 30] يَقُولُ: وَلَنِعْمَ دَارُ الَّذِينَ خَافُوا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا فَاتَّقَوْا عِقَابَهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَتَجَنُّبِ مَعَاصِيهِ، دَارُ الْآخِرَةِ. -[211]- وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
الصفحة 210