كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 14)
الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 63] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُقْسِمًا بِنَفْسِهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ إِلَى أُمَمِهَا بِمِثْلِ مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَى أُمَّتِكَ، مِنَ الدُّعَاءِ إِلَى التَّوْحِيدِ للَّهِ، وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، وَالْإِذْعَانِ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَخَلْعِ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ. {فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} [النحل: 63] يَقُولُ: فَحَسَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مُقِيمِينَ، حَتَّى كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، وَرَدُّوا عَلَيْهِمْ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ. {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ} [النحل: 63] يَقُولُ: فَالشَّيْطَانُ نَاصِرُهُمُ الْيَوْمَ فِي الدُّنْيَا، وَبِئْسَ النَّاصِرُ. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 10] فِي الْآخِرَةِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ، فَلَا يَنْفَعُهُمْ حِينَئِذٍ وِلَايَةُ الشَّيْطَانِ، وَلَا هِيَ نَفَعَتْهُمْ فِي الدُّنْيَا بَلْ ضَرَّتْهُمْ فِيهَا وَهِيَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَضَرُّ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَنْزَلْنَا يَا مُحَمَّدُ عَلَيْكَ كِتَابَنَا وَبَعَثْنَاكَ رَسُولًا إِلَى خَلْقِنَا إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمْ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ دِينِ اللَّهِ، فَتُعَرِّفُهُمُ الصَّوَابَ مِنْهُ، وَالْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَتُقِيمُ عَلَيْهِمْ بِالصَّوَابِ مِنْهُ حُجَّةَ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَكَ بِهَا. وَقَوْلُهُ: {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 203] يَقُولُ: وَهُدًى بَيَانًا مِنَ الضَّلَالَةِ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْكِتَابَ، {وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 52] بِهِ، فَيُصَدِّقُونَ بِمَا فِيهِ،
الصفحة 268