كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 14)
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ، فِي قَوْلِهِ: " {§أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} [النحل: 92] يَقُولُ: أَكْثَرُ، يَقُولُ: فَعَلَيْكُمْ بِوَفَاءِ الْعَهْدِ "
§وَقَوْلُهُ: {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ} [النحل: 92] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّمَا يَخْتَبِرُكُمُ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِيَّاكُمْ بِالْوَفَاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ، لِيَتَبَيَّنَ الْمُطِيعَ مِنْكُمُ الْمُنْتَهَى إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ مِنَ الْعَاصِي الْمُخَالِفِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ. {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [النحل: 92] . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ رَبُّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا وَرَدْتُمْ عَلَيْهِ بِمُجَازَاةِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا، الْمُحْسِنُ مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءُ بِإِسَاءَتِهِ، {مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [النحل: 92] وَالَّذِي كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فِي الدُّنْيَا أَنَّ الْمُؤْمِنَ بِاللَّهِ كَانَ يُقِرُّ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَنُبُوَّةِ نَبِيِّهِ، وَيُصَدِّقُ بِمَا ابْتَعَثَ بِهِ أَنْبِيَاءَهَ، وَكَانَ يُكَذِّبُ بِذَلِكَ كُلِّهِ الْكَافِرُ، فَذَلِكَ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الدُّنْيَا الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ أَنْ يُبَيِّنَهُ لَهُمْ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَيْهِ بِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْبَيَانِ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 93] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ لَلَطَفَ بِكُمْ بِتَوْفِيَةٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَصِرْتُمْ جَمِيعًا جَمَاعَةً وَاحِدَةً وَأَهْلَ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ لَا تَخْتَلِفُونَ وَلَا تَفْتَرِقُونَ، وَلَكِنَّهُ -[348]- تَعَالَى ذِكْرُهُ خَالَفَ بَيْنَكُمْ فَجَعَلَكُمْ أَهْلَ مِلَلٍ شَتَّى، بِأَنْ وَفَّقَ هَؤُلَاءِ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ فَكَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَخَذَلَ هَؤُلَاءِ فَحَرَمَهُمْ تَوْفِيقَهُ فَكَانُوا كَافِرِينَ، وَلَيْسَأَلَنَّكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ، ثُمَّ لَيُجَازِيَنَّكُمْ جَزَاءَ الْمُطِيعِ مِنْكُمْ بِطَاعَتِهِ، وَالْعَاصِي لَهُ بِمَعْصِيَتِهِ
الصفحة 347