كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 15)

§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا} [الكهف: 56] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَمَا نُرْسِلُ إِلَّا لِيُبَشِّرُوا أَهْلَ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ بِاللَّهِ بِجَزِيلِ ثَوَابِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَلِيُنْذِرُوا أَهْلَ الْكُفْرِ بِهِ وَالتَّكْذِيبِ عَظِيمَ عِقَابِهِ، وَأَلِيمَ عَذَابِهِ، فَيَنْتَهُوا عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وَيَنْزَجِرُوا عَنِ الْكُفْرِ بِهِ وَمَعَاصِيهِ {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [الكهف: 56] يَقُولُ: وَيُخَاصِمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ بِالْبَاطِلِ، ذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَخْبِرْنَا عَنْ حَدِيثِ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي أَوَّلِ الدَّهْرِ لَمْ يُدْرَ مَا شَأْنُهُمْ، وَعَنِ الرَّجُلِ الَّذِي بَلَغَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَعَنِ الرُّوحِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا كَانُوا يُخَاصِمُونَهُ بِهِ، يَبْتَغُونَ إِسْقَاطَهُ، تَعْنَيتًا لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ: إِنَّا لَسْنَا نَبْعَثُ إِلَيْكُمْ رُسُلَنَا لِلْجِدَالِ وَالْخُصُومَاتِ، وَإِنَّمَا نَبْعَثُهُمْ مُبَشِّرِينَ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِالْجَنَّةِ، وَمُنْذِرِينَ أَهْلَ الْكُفْرِ بِالنَّارِ، وَأَنْتُمْ تُجَادِلُونَهُمْ بِالْبَاطِلِ طَلَبًا مِنْكُمْ بِذَلِكَ أَنْ تُبْطِلُوا الْحَقَّ الَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ رَسُولِي. وَعَنَى بِقَوْلِهِ: {لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [الكهف: 56] لِيُبْطِلُوا بِهِ الْحَقَّ وَيُزِيلُوُهُ وَيَذْهَبُوا بِهِ. يُقَالُ مِنْهُ: دَحَضَ الشَّيْءُ: إِذَا زَالَ وَذَهَبَ، وَيُقَالُ: هَذَا مَكَانٌ دَحْضٌ: أَيْ مُزِلٌّ مُزْلِقٌ لَا يَثْبُتُ فِيهِ خُفٌّ وَلَا حَافِرٌ وَلَا قَدَمٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
رَدِيتُ وَنَجَّى الْيَشْكُرِيَّ حِذَارُهُ ... وَحَادَ كَمَا حَادَ الْبَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ
وَيُرْوَى: وَنَحَّى، وَأَدْحَضْتُهُ أَنَا: إِذَا أَذْهَبْتُهُ وَأَبْطَلْتُهُ

الصفحة 302