كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 15)
وَالْكُوفَةِ {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: 77] عَلَى التَّوْجِيهِ مِنْهُمْ لَهُ إِلَى أَنَّهُ لَافْتَعَلْتَ مِنَ الْأَخْذِ. وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ (لَوْ شِئْتَ لَتَخِذْتَ) بِتَخْفِيفِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْخَاءِ، وَأَصْلُهُ: لَافْتَعَلْتَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا التَّاءَ كَأَنَّهَا مِنْ أَصْلِ الْكَلِمَةِ، وَلَأَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَهُمْ فِي فَعَلَ وَيَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ: تَخِذَ فُلَانٌ كَذَا يَتَّخِذُهُ تَخَذًا، وَهِيَ لُغَةٌ فِيمَا ذُكِرَ لِهُذَيْلٍ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
[البحر الطويل]
وَقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي لَدَى جَنْبِ غَرْزِهَا ... نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ الْقَطَاةِ الْمُطَرِّقِ
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي: أَنَّهُمَا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، غَيْرَ أَنِّي أَخْتَارُ قِرَاءَتَهُ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ عَلَى لَافْتَعَلْتَ، لِأَنَّهَا أَفْصَحُ اللُّغَتَيْنِ وَأَشْهَرُهُمَا، وَأَكْثَرُهُمَا عَلَى أَلْسُنِ الْعَرَبِ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 78]-[353]- يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ صَاحِبُ مُوسَى لِمُوسَى: هَذَا الَّذِي قُلْتُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: 77] {فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الكهف: 78] يَقُولُ: فُرْقَةٌ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ: أَيْ مُفَرَّقِ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. {سَأُنَبِّئُكَ} [الكهف: 78] يَقُولُ: سَأُخْبِرُكَ {بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 78] يَقُولُ: بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ عَاقِبَةُ أَفْعَالِي الَّتِي فَعَلْتُهَا، فَلَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيَّ تَرْكَ الْمَسْأَلَةِ عَنْهَا، وَعَنِ النَّكِيرِ عَلَيَّ فِيهَا صَبْرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
الصفحة 352