كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 15)
قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ} [مريم: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَقَالَ لَهَا رُوحُنَا: إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ يَا مَرْيَمُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكِ {لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} [مريم: 19] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ غَيْرَ أَبِي عَمْرٍو: {لِأَهَبَ لَكِ} [مريم: 19] بِمَعْنَى: إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ: يَقُولُ: أَرْسَلَنِي إِلَيْكِ لِأَهَبَ لَكِ {غُلَامًا زَكِيًّا} [مريم: 19] عَلَى الْحِكَايَةِ. وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: (لِيَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) بِمَعْنَى: إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ أَرْسَلَنِي إِلَيْكِ لِيَهَبَ اللَّهُ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ، مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ {لِأَهَبَ لَكَ} [مريم: 19] بِالْأَلِفِ دُونَ الْيَاءِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ قَدِيمِهِمْ وَحَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَبِي عَمْرٍو، وَغَيْرُ جَائِزٍ خِلَافُهُمْ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَلَا سَائِغَ لِأَحَدٍ خِلَافُ مَصَاحِفِهِمْ، وَالْغُلَامُ الزَّكِيُّ: هُوَ الطَّاهِرُ مِنَ الذُّنُوبِ وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ: غُلَامٌ زَاكٍ وَزَكِيٌّ، وَعَالٍ وَعَلِيٌّ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} [مريم: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتْ مَرْيَمُ لِجِبْرِيلَ: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ} [آل عمران: 40] مِنْ أَيِّ وَجْهٍ -[489]- يَكُونُ لِي غُلَامٌ؟ أَمِنْ قِبَلِ زَوْجٍ أَتَزَوَّجُ، فَأُرْزَقُهُ مِنْهُ، أَمْ يَبْتَدِئُ اللَّهُ فِي خَلْقِهِ ابْتِدَاءً {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بِشْرٌ} [آل عمران: 47] مِنْ وَلَدِ آدَمَ بِنِكَاحٍ حَلَالٍ {وَلَمْ أَكُ} [مريم: 20] إِذْ لَمْ يَمْسَسْنِي مِنْهُمْ أَحَدٌ عَلَى وَجْهِ الْحَلَالِ {بَغِيًّا} [البقرة: 90] بَغَيْتُ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ مِنَ الْوَجْهِ الْحَرَامِ، فَحَمَلْتُهُ مِنْ زِنًا، كَمَا:
الصفحة 488