كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 15)

§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 33] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مُخْبِرًا عَنْ قَولِ عِيسَى لِلْقَوْمِ: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا وَبَرًّا: أَيْ جَعَلَنِي بَرًّا بِوَالِدَتِي. وَالْبَرُّ هُوَ الْبَارُّ، يُقَالُ: هُوَ بَرٌّ بِوَالِدِهِ، وَبَارٌّ بِهِ، وَبِفَتْحِ الْبَاءِ قَرَأَتِ هَذَا الْحَرْفَ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ. وَرُوِي عَنْ أَبِي نَهِيكٍ مَا:
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ، عَنْ أَبِي نَهِيكٍ، أَنَّهُ §قَرَأَ: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي} [مريم: 32] مِنْ قَوْلِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ أَبُو نَهِيكٍ: أَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ، كَمَا أَوْصَانِي بِذَلِكَ فَكَأَنَّ أَبَا نَهِيكٍ وَجَّهَ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ إِلَى قَوْلِهِ {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي} [مريم: 32] هُوَ مِنْ خَبَرِ عِيسَى، عَنْ وَصِيَّةِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِهِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ} [مريم: 31] مِنْ خَبَرِهِ عَنْ وَصِيَّةِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ. فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ نَصْبُ الْبِرِّ بِمَعْنَى عَمَلِ الْوَصِيَّةِ فِيهِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَإِنْ كَانَتَا مَخْفُوضَتَيْنِ فِي اللَّفْظِ، فَإِنَّهُمَا بِمَعْنَى النَّصْبِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِمَا
§وَقَوْلُهُ: {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم: 32] يَقُولُ: وَلَمْ يَجْعَلْنِي مُسْتَكْبِرًا عَلَى -[533]- اللَّهِ فِيمَا أَمَرَنِي بِهِ، وَنَهَانِي عَنْهُ شَقِيًّا وَلَكِنْ ذَلَّلَنِي لِطَاعَتِهِ، وَجَعَلَنِي مُتَوَاضِعًا، كَمَا:

الصفحة 532