كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 16)
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فِي قَوْلِهِ: {إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} [الأنبياء: 87] قَالَ: «§مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ»
حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، وَزَادَ، فِيهِ: قَالَ: §فَخَرَجَ يُونُسُ يَنْظُرُ الْعَذَابَ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا , قَالَ: جَرَّبُوا عَلَيَّ كَذِبًا فَذَهَبَ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ حَتَّى أَتَى الْبَحْرَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ الْيَمَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " §إِنَّ يُونُسَ بْنَ مَتَّى كَانَ عَبْدًا صَالِحًا، وَكَانَ فِي خُلُقِهِ ضِيقٌ. فَلَمَّا حُمِلَتْ عَلَيْهِ أَثْقَالُ النُّبُوَّةِ، وَلَهَا أَثْقَالٌ لَا يَحْمِلُهَا إِلَّا قَلِيلٌ، تَفَسَّخَ تَحْتَهَا تَفَسُّخَ الرُّبَعِ تَحْتَ الْحِمْلِ، فَقَذَفَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَخَرَجَ هَارِبًا مِنْهَا. يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} , {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} [القلم: 48] , أَيْ: لَا تُلْقِ أَمْرِي كَمَا أَلْقَاهُ -[377]- وَهَذَا الْقَوْلُ، أَعْنِي قَوْلَ مَنْ قَالَ: ذَهَبَ عَنْ قَوْمِهِ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ، أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، وَذَلِكِ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] عَلَى ذَلِكَ. عَلَى أَنَّ الَّذِينَ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ ذَهَبَ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ، إِنَّمَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ اسْتِنْكَارًا مِنْهُمْ أَنْ يُغَاضِبَ نَبِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ رَبَّهُ , وَاسْتِعْظَامًا لَهُ. وَهُمْ بِقِيلِهِمْ أَنَّهُ ذَهَبَ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ قَدْ دَخَلُوا فِي أَمْرٍ أَعْظَمَ مِمَّا أَنْكَرُوا، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا: ذَهَبَ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ ذَهَابِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا فَعَلَ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ كَرَاهَةَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ قَوْمٍ قَدْ جَرَّبُوا عَلَيْهِ الْخُلْفَ فِيمَا وَعَدَهُمْ، وَاسْتَحْيَا مِنْهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمِ السَّبَبَ الَّذِي دُفِعَ بِهِ عَنْهُمُ الْبَلَاءُ. وَقَالَ بَعْضُ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ: كَانَ مِنْ أَخْلَاقِ قَوْمِهِ الَّذِينَ فَارَقَهُمْ قَتْلُ مَنْ جَرَّبُوا عَلَيْهِ الْكَذِبَ، عَسَى أَنْ يَقْتُلُوهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وَعَدَهُمُ الْعَذَابَ، فَلَمْ يَنْزِلْ بِهِمْ مَا وَعَدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ فِي سُورَةِ يُونُسَ، فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ إِنَّمَا غَاضَبَ رَبَّهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْمَصِيرِ إِلَى قَوْمٍ لِيُنْذِرَهُمْ بَأْسَهُ , وَيَدْعُوِهُمْ إِلَيْهِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُنْظِرَهُ لِيَتَأَهَّبَ لِلشُّخُوصِ إِلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: الْأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ , وَلَمْ يُنْظَرْ , حَتَّى شَاءَ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى أَنْ يَأْخُذَ نَعْلًا لِيَلْبَسَهَا، فَقِيلَ لَهُ نَحْوُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَكَانَ رَجُلًا فِي خُلُقِهِ ضِيقٌ، فَقَالَ: أَعْجَلَنِي رَبِّي أَنْ آخُذَ نَعْلًا فَذَهَبَ مُغَاضِبًا وَمِمَّنْ ذُكِرَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْهُ: الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا -[378]- الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْهُ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ وَصْفِ نَبِيِّ اللَّهِ يُونُسَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ دُونَ مَا وَصَفَهُ بِمَا وَصَفَهُ الَّذِينَ قَالُوا: ذَهَبَ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ , لِأَنَّ ذَهَابَهُ عَنْ قَوْمِهِ مُغَاضِبًا لَهُمْ، وَقَدْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمُقَامِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، لِيُبَلِّغَهُمْ رِسَالَتَهُ , وَيُحَذِّرَهُمْ بَأْسَهُ وَعُقُوبَتَهُ عَلَى تَرْكِهِمُ الْإِيمَانَ بِهِ , وَالْعَمَلَ بِطَاعَتِهِ , لَا شَكَّ أَنَّ فِيهِ مَا فِيهِ. وَلَوْلَا أَنَّهُ قَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى مَا قَالَهُ الَّذِينَ وَصَفُوهُ بِإِتْيَانِ الْخَطِيئَةِ، لَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِيُعَاقِبَهُ الْعُقُوبَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي كِتَابِهِ , وَيَصِفَهُ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهُ بِهَا، فَيَقُولَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48] , وَيَقُولَ: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143]
الصفحة 376