كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 16)

§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء: 94] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمَنْ عَمِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا فِي دِينِهِمْ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَأَطَاعَهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ , مُصَدِّقٌ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ , مُتَبَرِّئٌ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ {فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} [الأنبياء: 94] . يَقُولُ: فَإِنَّ اللَّهَ يَشْكُرُ عَمَلَهُ الَّذِي عَمِلَ لَهُ , مُطِيعًا لَهُ، وَهُوَ بِهِ مُؤْمِنٌ، فَيُثِيبُهُ فِي الْآخِرَةِ ثَوَابَهُ الَّذِي وَعَدَ أَهْلَ طَاعَتِهِ أَنْ يُثِيبَهُمُوهُ، وَلَا يَكْفُرُ ذَلِكَ لَهُ , فَيَجْحَدُهُ , وَيَحْرِمُهُ ثَوَابَهُ عَلَى عَمَلِهِ الصَّالِحِ {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء: 94] يَقُولُ وَنَحْنُ نَكْتُبُ أَعْمَالَهُ الصَّالِحَةَ كُلَّهَا فَلَا نَتْرُكَ مِنْهَا شَيْئًا لِنَجْزِيهِ عَلَى صَغِيرِ ذَلِكَ وَكَبِيرِهِ وَقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْكُفْرَانُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: كَفَرْتُ فُلَانًا نِعْمَتَهُ , فَأَنَا أَكْفُرُهُ كُفْرًا , وَكُفْرَانًا , وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
مِنَ النَّاسِ نَاسٌ مَا تَنَامُ خُدُودُهُمْ ... وَخَدِّي وَلَا كُفْرَانَ لِلَّهِ نَائِمُ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {وَحَرَامٌ} [الأنبياء: 95] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (وَحِرْمٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: {وَحَرَامٌ} [الأنبياء: 95] بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْأَلِفِ. وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى , غَيْرُ -[395]- مُخْتَلِفَتَيْهِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْحِرْمَ هُوَ الْحَرَامُ وَالْحَرَامُ هُوَ الْحِرْمُ، كَمَا الْحِلُّ هُوَ الْحَلَالُ , وَالْحَلَالُ هُوَ الْحِلُّ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرُؤُهُ: «وَحِرْمَ» بِتَأْوِيلِ: وَعَزَمَ

الصفحة 394