كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 16)
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ , كُلُّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْبُدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ، إِنَّمَا يَعْبُدُونَ الشَّيَاطِينَ وَمَنْ أَمَرَهُمْ بِعِبَادَتِهِ» . فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] . إِلَى: {خَالِدُونَ} [الأنبياء: 99] أَيْ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَعُزَيْرًا، وَمَنْ عُبِدُوا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ مَضَوْا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، فَاتَّخَذَهُمْ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيمَا ذَكَرُوا أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَأَنَّهَا بَنَاتُ اللَّهِ: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26] إِلَى قَوْلِهِ: {نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 29]
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، قَالَ: يَقُولُ " §نَاسٌ مِنَ النَّاسِ {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] يَعْنِي مِنَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ. فَلَيْسَ كَذَلِكَ , إِنَّمَا يَعْنِي مَنْ يَعْبُدُ الْآلِهَةَ وَهُوَ لِلَّهِ مُطِيعٌ , مِثْلُ عِيسَى وَأُمِّهِ , وَعُزَيْرٍ وَالْمَلَائِكَةِ، وَاسْتَثْنَى اللَّهُ هَؤُلَاءِ مِنَ الْآلِهَةِ الْمَعْبُودَةِ الَّتِي هِيَ وَمَنْ يَعْبُدُهَا فِي النَّارِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَشْقَرُ، قَالَ: ثنا أَبُو كُدَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " §لَمَّا نَزَلَتْ: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98] قَالَ الْمُشْرِكُونَ: فَإِنَّ عِيسَى يُعْبَدُ , وَعُزَيْرٌ , وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يُعْبَدُونَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا -[419]- مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] لِعِيسَى وَغَيْرِهِ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] مَا كَانَ مِنْ مَعْبُودٍ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَهُ , وَالْمَعْبُودُ لِلَّهِ مُطِيعٌ , وَعَابِدُوهُ بِعِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ بِاللَّهِ كُفَّارٌ , لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء: 101] ابْتِدَاءُ كَلَامٍ مُحَقَّقٍ لِأَمْرٍ كَانَ يُنْكِرْهُ قَوْمٌ، عَلَى نَحْوِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْخَبَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَكَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَالَ لَهُمْ: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] مَا الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ، لِأَنَّا نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَيَعْبُدُ آخَرُونَ الْمَسِيحَ , وَعُزَيْرًا. فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ رَدًّا عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ: بَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى , هُمْ عَنْهَا مُبْعَدُونَ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْنِيِّينَ بِقَوْلِنَا: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] . فَأَمَّا قَوْلُ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] فَقَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ , لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا هُوَ إِخْرَاجُ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى إِنَّمَا هُمْ إِمَّا مَلَائِكَةٌ , وَإِمَّا إِنْسٌ , أَوْ جَانٌّ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ إِذَا ذَكَرَتْهَا الْعَرَبُ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا بِـ (مَنْ) لَا بِ (مَا) ، وَاللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا ذَكَرَ الْمَعْبُودِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ حَصَبُ جَهَنَّمَ بِـ (مَا) قَالَ: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ -[420]- جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْآلِهَةِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالْخَشَبِ، لَا مَنْ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْإِنْسِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لِمَا وَصَفْنَا فَقَوْلُهُ: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء: 101] جَوَابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْقَائِلِينَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مُبْتَدَأٌ. وَأَمَّا الْحُسْنَى فَإِنَّهَا الْفُعْلَى مِنَ الْحُسْنِ، وَإِنَّمَا عُنِيَ بِهَا السَّعَادَةُ السَّابِقَةُ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ. كَمَا:
الصفحة 418