كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 16)

أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] قَالَ: " §الْعَالَمُونَ: مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ. قَالَ: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأنبياء: 111] قَالَ: فَهُوَ لِهَؤُلَاءِ فِتْنَةٌ , وَلِهَؤُلَاءِ رَحْمَةٌ، وَقَدْ جَاءَ الْأَمْرُ مُجْمَلًا {رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] . وَالْعَالَمُونَ هَهُنَا: مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَأَطَاعَهُ " وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْمَةً لِجَمِيعِ الْعَالَمِ، مُؤْمِنِهِمْ , وَكَافِرِهِمْ. فَأَمَّا مُؤْمِنُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ هَدَاهُ بِهِ، وَأَدْخَلَهُ بِالْإِيمَانُ بِهِ , وَبِالْعَمَلِ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْجَنَّةَ. وَأَمَّا كَافِرُهُمْ فَإِنَّهُ دَفَعَ بِهِ عَنْهُ عَاجِلَ الْبَلَاءِ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ رُسُلَهَا مِنْ قَبْلِهِ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [الأنبياء: 108] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: مَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِلَّا أَنَّهُ لَا إِلَهَ لَكُمْ يَجُوزُ أَنْ يُعْبَدَ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ , وَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِغَيْرِهِ {فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [هود: 14] يَقُولُ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُذْعِنُونَ لَهُ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ الْعَابِدُونَ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ بِالْخُضُوعِ لِذَلِكَ، وَمُتَبَرِّئُونَ مِنْ عِبَادَةِ مَا دُونَهُ مِنْ آلِهَتِكُمْ؟
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 109]-[442]- يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِنْ أَدْبَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّدُ عَنِ الْإِقْرَارِ بِالْإِيمَانِ، بِأَنْ لَا إِلَهَ لَهُمْ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَأَعْرَضُوا عَنْهُ , وَأَبَوُا الْإِجَابَةَ إِلَيْهِ، {فَقُلْ} [آل عمران: 20] لَهُمْ: قَدْ {آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنبياء: 109] يَقُولُ: أَعْلِمْهُمْ أَنَّكَ وَهُمْ عَلَى عِلْمٍ مِنْ أَنَّ بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ حَرْبٌ، لَا صُلْحَ بَيْنَكُمْ , وَلَا سِلْمَ وَإِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قُرَيْشٍ، كَمَا:

الصفحة 441