كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 16)
§وَقَوْلُهُ: {ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} [الحج: 5] يَقُولُ: ثُمَّ لِتَبْلُغُوا كَمَالَ عُقُولِكُمْ , وَنِهَايَةَ قُوَاكُمْ بِعُمُرِكُمْ. وَقَدْ ذَكَرْتُ اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْأَشُدِّ، وَالصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ عِنْدَنَا بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مِنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ يُتَوَفَّى قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ فَيَمُوتُ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُنْسَأُ فِي أَجَلِهِ فَيُعَمِّرُ حَتَّى يَهْرَمَ , فَيُرَدَّ مِنْ بَعْدِ انْتِهَاءِ شَبَابِهِ , وَبُلُوغِهِ غَايَةَ أَشُدِّهِ إِلَى أَرْذَلِ عُمْرِهِ، وَذَلِكَ الْهَرَمُ، حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ فِي حَالِ صِبَاهُ لَا يَعْقِلُ مِنْ بَعْدِ عَقْلِهِ الْأَوَّلِ شَيْئًا. وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ بَعْدَ بُلُوغِهِ أَشُدَّهُ {لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ} [الحج: 5] كَانَ يَعْلَمُهُ {شَيْئًا} [البقرة: 48]
§وَقَوْلُهُ: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً} [الحج: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَتَرَى الْأَرْضَ يَا مُحَمَّدُ يَابِسَةً دَارِسَةَ الْآثَارِ مِنَ النَّبَاتِ وَالزَّرْعِ. وَأَصْلُ الْهُمُودِ: الدُّرُوسُ وَالدُّثُورُ، وَيُقَالُ مِنْهُ: هَمَدَتِ الْأَرْضُ تَهْمَدُ هُمُودًا , وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى مَيْمُونِ بْنِ قَيْسٍ:
[البحر الكامل]
قَالَتْ قُتَيْلَةُ: مَا لِجِسْمِكَ شَاحِبًا ... وَأَرَى ثِيَابَكَ بَالِيَاتٍ هُمَّدَا
-[466]- وَالْهُمَّدُ: جَمْعُ هَامِدٍ، كَمَا الرُّكَّعِ جَمْعُ رَاكِعٍ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
الصفحة 465