كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 16)

§وَقَوْلُهُ: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَثِيرٌ مِنْ بَنِي آدَمُ حَقَّ عَلَيْهِ عَذَابُ اللَّهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ بِكُفْرِهِ بِهِ، وَهُو مَعَ ذَلِكَ يَسْجُدُ لِلَّهِ ظِلُّهُ
كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " {§وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18] وَهُوَ يَسْجُدُ مَعَ ظِلِّهِ " فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَعَ قَوْلُهُ: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18] بِالْعَطْفِ عَلَى قَوْلُهُ: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج: 18] وَيَكُونُ دَاخِلًا فِي عِدَادِ مَنْ وَصَفَهُ اللَّهُ بِالسُّجُودِ لَهُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: {حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18] مِنْ صِلَةِ كَثِيرٍ، وَلَوْ كَانَ الْكَثِيرُ الثَّانِي مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي عِدَادِ مَنْ وُصِفَ بِالسُّجُودِ كَانَ مَرْفُوعًا بِالْعَائِدِ مِنْ ذِكْرِهِ فِي قَوْلِهِ: {حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18] وَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: وَكَثِيرٌ أَبَى السُّجُودَ، لِأَنَّ قَوْلُهُ: {حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18] يَدُلُّ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ , وَإِبَائِهِ السُّجُودَ، فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ الْعَذَابَ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرَمِ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ يُهِنْهُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ فَيُشْقِهِ، {فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرَمِ} [الحج: 18] بِالسَّعَادَةِ يُسْعِدُهُ بِهَا , لِأَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِ اللَّهِ، يُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ لِطَاعَتِهِ , وَيَخْذُلُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُشْقِي مَنْ أَرَادَ , وَيُسْعِدُ مَنْ أَحَبَّ

الصفحة 488