كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 16)

قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَمُجَاهِدٍ: {الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36] " §الْقَانِعُ: الْجَالِسُ فِي بَيْتِهِ، وَالْمُعْتَرُّ: الَّذِي يَتَعَرَّضُ لَكَ " وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِالْقَانِعِ: السَّائِلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَعْنِيُّ بِالْقَانِعِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْمُكْتَفِيَ بِمَا عِنْدَهُ وَالْمُسْتَغْنِيَ بِهِ، لَقِيلَ: وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالسَّائِلَ، وَلَمْ يَقُلْ: وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ. وَفِي إِتْبَاعِ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36] الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ الْقَانِعَ مَعْنِيُّ بِهِ السَّائِلُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَنَعَ فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، بِمَعْنَى سَأَلَهُ وَخَضَعَ إِلَيْهِ، فَهُوَ يَقْنَعُ قُنُوعًا؛ وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
[البحر الطويل]
وَأَعْطَانِيَ الْمَوْلَى عَلَى حِينِ فَقْرِهِ ... إِذَا قَالَ: أَبْصِرْ خَلَّتِي وَقُنُوعِي
وَأَمَّا الْقَانِعُ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْمُكْتَفِي، فَإِنَّهُ مِنْ قَنِعْتُ بِكَسْرِ النُّونِ , أَقنْعُ قِنَاعَةً وَقَنْعًا وَقَنْعَانًا. وَأَمَّا الْمُعْتَرُّ: فَإِنَّهُ الَّذِي يَأْتِيكَ مُعْتَرًّا بِكَ لِتُعْطِيَهُ وَتُطْعِمَهُ
§وَقَوْلُهُ: {كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ} [الحج: 36] يَقُولُ: هَكَذَا سَخَّرْنَا الْبُدْنَ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 52] , يَقُولُ: لِتَشْكُرُونِي عَلَى تَسْخِيرِهَا لَكُمْ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ -[570]- الْمُحْسِنِينَ} [الحج: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَنْ يَصِلَ إِلَى اللَّهِ لُحُومُ بُدْنِكُمْ وَلَا دِمَاؤُهَا، وَلَكِنْ يَنَالَهُ اتِّقَاؤُكُمْ إِيَّاهُ إِنِ اتَّقَيْتُمُوهُ فِيهَا , فَأَرَدْتُمْ بِهَا وَجْهَهُ , وَعَمِلْتُمْ فِيهَا بِمَا نَدَبَكُمْ إِلَيْهِ وَأَمَرَكُمْ بِهِ فِي أَمْرِهَا , وَعَظَّمْتُمْ بِهَا حُرُمَاتِهِ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

الصفحة 569