كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 16)
وَرَائِهِمْ , وَنَصْرِيَ إِيَّاكَ وَأَتْبَاعَكَ عَلَيْهِمْ آتِيهُمْ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، كَمَا أَتَى عَذَابِي عَلَى أَسْلَافِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بَعْدَ الْإِمْهَالِ إِلَى بُلُوغِ الْآجَالِ {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} [الحج: 42] يَعْنِي: مُشْرِكِي قُرَيْشٍ؛ قَوْمُ نُوحٍ، وَقَوْمُ عَادٍ , وَثَمُودٍ، وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ , وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ، وَهُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ. يَقُولُ: كَذَّبَ كُلُّ هَؤُلَاءِ رُسُلَهُمْ فَقِيلَ: {وَكُذِّبَ مُوسَى} [الحج: 44] وَلَمْ يَقُلْ: (وَقَوْمُ مُوسَى) ، لِأَنَّ قَوْمَ مُوسَى بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَكَانَتْ قَدِ اسْتَجَابَتْ لَهُ , وَلَمْ تُكَذِّبْهُ، وَإِنَّمَا كَذَّبَهُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مِنَ الْقِبْطِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لِأَنَّهُ وُلِدَ فِيهِمْ , كَمَا وُلِدَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ
§وَقَوْلُهُ: {فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ} [الحج: 44] يَقُولُ: فَأَمْهَلْتُ لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ، فَلَمْ أُعَاجِلْهُمْ بِالنِّقْمَةِ وَالْعَذَابِ. {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} [الرعد: 32] يَقُولُ: ثُمَّ أَحْلَلْتُ بِهِمُ الْعِقَابَ بَعْدَ الْإِمْلَاءِ {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [الحج: 44] يَقُولُ: فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ كَانَ تَغْيِيرِي مَا كَانَ بِهِمْ مِنْ نِعْمَةٍ , وَتَنَكُّرِي لَهُمْ عَمَّا كُنْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، أَلَمْ أُبْدِلْهُمْ بِالْكَثْرَةِ قِلَّةً؟ وَبِالْحَيَاةِ مَوْتًا وَهَلَاكًا؟ وَبِالْعِمَارَةِ خَرَابًا؟ يَقُولُ: فَكَذَلِكَ فِعْلِي بِمُكَذِّبِيكَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَإِنْ أَمْلَيْتُ لَهُمْ إِلَى آجَالِهِمْ، فَإِنِّي مُنْجِزُكَ وَعَدِي فِيهِمْ , كَمَا أَنْجَزْتُ غَيْرَكَ مِنْ رُسُلِي وَعَدِي فِي أُمَمِهِمْ، فَأَهْلَكْنَاهُمْ , وَأَنْجَيْتُهُمْ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج: 45]-[590]- يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَمْ يَا مُحَمَّدُ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْتُ أَهْلَهَا وَهُمْ ظَالِمُونَ؛ يَقُولُ: وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَ مَنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْبَدَ، وَيَعْصُونَ مَنْ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْصُوهُ
الصفحة 589