كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 16)

اسْتِعْجَالِ الْمُشْرِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَذَابِ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ مَبْلَغِ قَدْرِ الْيَوْمِ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [الحج: 48] فَأُخْبَرَ عَنْ إِمْلَائِهِ أَهْلَ الْقَرْيَةِ الظَّالِمَةِ , وَتَرْكِهِ مُعَاجَلَتَهُمْ بِالْعَذَابِ، فَبَيَّنَ بِذَلِكِ أَنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47] نَفْيَ الْعَجَلَةِ عَنْ نَفْسِهِ , وَوَصْفَهَا بِالْأَنَاةِ وَالِانْتِظَارِ. وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَإِنَّ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوْمٌ وَاحِدٌ , كَأَلْفِ سَنَةٍ مِنْ عَدَدِكُمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِبَعِيدٍ , وَهُوَ عِنْدَكُمْ بَعِيدٌ؛ فَلِذَلِكَ لَا يُعَجِّلُ بِعُقُوبَةِ مَنْ أَرَادَ عُقُوبَتَهُ حَتَّى يَبْلُغَ غَايَةَ مُدَّتِهِ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} [الحج: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا} [الحج: 48] يَقُولُ: أَمْهَلْتُهُمْ , وَأَخَّرْتُ عَذَابَهُمْ، وَهُمْ بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ , وَلِأَمْرِهِ مُخَالِفُونَ وَذَلِكَ كَانَ ظُلْمَهُمُ الَّذِي وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَلَمْ أَعْجَلْ بِعَذَابِهِمْ. {ثُمَّ أَخَذْتُهَا} [الحج: 48] يَقُولُ: ثُمَّ أَخَذْتُهَا بِالْعَذَابِ، فَعَذَّبْتُهَا فِي الدُّنْيَا بِإِحْلَالِ عُقُوبَتِنَا بِهِمْ. {وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} [الحج: 48] يَقُولُ: وَإِلَيَّ مَصِيرُهُمْ أَيْضًا بَعْدَ هَلَاكِهِمْ، فَيَلْقَوْنَ مِنَ الْعَذَابِ حِينَئِذٍ مَا لَا انْقِطَاعَ لَهُ؛ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَكَذَلِكَ حَالُ مُسْتَعْجِلِيكَ بِالْعَذَابِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ، وَإِنْ أَمْلَيْتُ لَهُمْ إِلَى آجَالِهِمُ الَّتِي أَجَّلْتُهَا لَهُمْ، فَإِنِّي آخُذُهُمْ بِالْعَذَابِ , فَقَاتِلُهُمْ بِالسَّيْفِ , ثُمَّ إِلَيَّ مَصِيرُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ , فَمُوجِعُهُمْ إِذَنْ عُقُوبَةً عَلَى مَا قَدَّمُوا مِنْ آثَامِهِمْ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [الحج: 50]

الصفحة 599