كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 16)

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي قَوْمِكَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَكَ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، اتِّبَاعًا مِنْهُمْ لِكُلِّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الحج: 49] أُنْذِرُكُمْ عِقَابَ اللَّهِ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ فِي الدُّنْيَا , وَعَذَابَهُ فِي الْآخِرَةِ أَنْ تَصِلُوهُ {مُبِينٌ} [البقرة: 168] يَقُولُ: أُبَيِّنُ لَكُمْ إِنْذَارِي ذَلِكَ , وَأُظْهِرُهُ , لِتُنِيبُوا مِنْ شِرْكِكُمْ , وَتَحْذَرُوا مَا أُنْذِرُكُمْ مِنْ ذَلِكَ , لَا أَمْلِكُ لَكُمْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَعْجِيلُ الْعِقَابِ , وَتَأْخِيرُهُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَنِي بِهِ فَإِلَى اللَّهِ، لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيَّ , وَلَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ. ثُمَّ وَصَفَ نِذَارَتَهُ , وَبِشَارَتَهُ، وَلَمْ يَجْرِ لِلْبِشَارَةِ ذِكْرٌ، وَلَمَّا ذُكِرَتِ النِّذَارَةُ عَلَى عَمَلٍ , عُلِمَ أَنَّ الْبِشَارَةَ عَلَى خِلَافِهِ، فَقَالَ: {فَالَّذِينَ آمَنُوا} [الأعراف: 157] بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 25] مِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَمِنْ غَيْرِكُمْ. {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} [المائدة: 9] يَقُولُ: لَهُمْ مِنَ اللَّهِ سَتْرُ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَةِ. {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 4] يَقُولُ: وَرُزْقٌ حَسَنٌ فِي الْجَنَّةِ؛
كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الحج: 50] قَالَ: «§الْجَنَّةُ»
§وَقَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} [الحج: 51] يَقُولُ: وَالَّذِينَ عَمِلُوا فِي حُجَجِنَا , فَصِدُّوا عَنِ اتِّبَاعِ رَسُولِنَا , وَالْإِقْرَارِ بِكِتَابِنَا الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ. وَقَالَ {فِي آيَاتِنَا} [الأنعام: 68] فَأُدْخِلَتْ فِيهِ (فِي) كَمَا يُقَالُ: سَعَى فُلَانٌ فِي أَمْرِ فُلَانٍ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {مُعَاجِزِينَ} [الحج: 51] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: مُشَاقِّينَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ -[601]- عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَهَا: { «مُعَاجِزِينَ» } [الحج: 51] فِي كُلِّ الْقُرْآنِ، يَعْنِي بِأَلِفٍ، وَقَالَ: «§مُشَاقِّينَ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يُعْجِزُونَ اللَّهَ , فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ

الصفحة 600