كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 17)
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَصْلُ الزُّورِ تَحْسِينُ الشَّيْءِ , وَوَصَفُهُ بِخِلَافِ صِفَتِهِ , حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَى مَنْ يَسْمَعُهُ أَوْ يَرَاهُ أَنَّهُ خِلَافَ مَا هُوَ بِهِ , وَالشِّرْكُ قَدْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ , لِأَنَّهُ مُحَسَّنٌ لِأَهْلِهِ , حَتَّى قَدْ ظَنُّوا أَنَّهُ حَقٌّ , وَهُوَ بَاطِلٌ , وَيَدْخُلُ فِيهِ الْغِنَاءُ , لِأَنَّهُ أَيْضًا مِمَّا يُحَسِّنُهُ تَرْجِيعُ الصَّوْتِ , حَتَّى يَسْتَحْلِيَ سَامِعُهُ سَمَاعَهُ , وَالْكَذِبُ أَيْضًا قَدْ يَدْخُلُ فِيهِ , لِتَحْسِينِ صَاحِبِهِ إِيَّاهُ , حَتَّى يُظِنَّ صَاحِبَهُ أَنَّهُ حَقٌّ , فَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي مَعْنَى الزُّورِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِهِ أَنْ يُقَالَ: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِنَ الْبَاطِلِ , لَا شِرْكًا , وَلَا غِنَاءً , وَلَا كَذِبًا وَلَا غَيْرَهُ , وَكُلُّ مَا لَزِمَهُ اسْمُ الزُّورِ , لِأَنَّ اللَّهَ عَمَّ فِي وَصَفِهِ إِيَّاهُمْ , أَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ , فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَّا بِحَجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا , مِنْ خَبَرٍ أَوْ عَقْلٍ
§وَقَوْلُهُ: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى اللَّغْوِ الَّذِي ذَكَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: مَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ , وَيُكَلِّمُونَهُمْ بِهِ مِنَ الْأَذَى. وَمُرُورُهُمْ بِهِ كِرَامًا إِعْرَاضُهُمْ عَنْهُمْ وَصَفْحُهُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: " {§وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72] قَالَ: صَفَحُوا "
الصفحة 523