كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 17)

§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [المؤمنون: 62] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا مَا يَسَعُهَا وَيَصْلُحُ لَهَا مِنَ الْعِبَادَةِ؛ وَلِذَلِكَ كَلَّفْنَاهَا مَا كَلَّفْنَاهَا مِنْ مَعْرِفَةِ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَشَرَعْنَا لَهَا مَا شَرَعْنَا مِنَ الشَّرَائِعِ. {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ} [المؤمنون: 62] يَقُولُ: وَعِنْدَنَا كِتَابُ أَعْمَالِ الْخَلْقِ بِمَا عَمِلُوا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ؛ {يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [المؤمنون: 62] يَقُولُ: يُبَيِّنُ بِالصِّدْقِ عَمَّا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فِي الدُّنْيَا، لَا زِيَادَةَ عَلَيْهِ , وَلَا نُقْصَانَ. وَنَحْنُ مُوَفُّو جَمِيعِهِمْ أُجُورَهُمْ، الْمُحْسِنُ مِنْهُمْ بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ. {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281] يَقُولُ: وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، بِأَنْ يُزَادَ عَلَى سَيِّئَاتِ الْمُسِيءِ مِنْهُمْ مَا لَمْ يَعْمَلْهُ فَيُعَاقَبَ عَلَى غَيْرِ جُرْمِهِ، وَيُنْقَصَ الْمُحْسِنُ عَمَّا عَمِلَ مِنْ إِحْسَانِهِ فَيُنْقَصَ عَمَّا لَهُ مِنَ الثَّوَابِ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} [المؤمنون: 63]-[74]- يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا الْأَمْرُ كَمَا يَحْسِبُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ، مِنْ أَنَّ إِمْدَادَنَاهُمْ بِمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ، بِخَيْرٍ نَسُوقُهُ بِذَلِكَ إِلَيْهِمْ , وَالرِّضَا مِنَّا عَنْهُمْ؛ وَلَكِنَّ قُلُوبَهُمْ فِي غَمْرَةِ عَمًى عَنْ هَذَا الْقُرْآنِ. وَعُنِيَ بِالْغَمْرَةِ: مَا غَمَرَ قُلُوبَهُمْ فَغَطَّاهَا عَنْ فَهْمِ مَا أَوْدَعَ اللَّهُ كِتَابَهُ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْعِبَرِ وَالْحُجَجِ. وَعَنَى بِقَوْلِهِ: {مِنْ هَذَا} [الكهف: 24] مِنَ الْقُرْآنِ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

الصفحة 73