كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 18)
يَدْعُونَ، لِأَنَّ الْقَوْمَ فِي حَالِ نُزُولِ هَذَا الْخَبَرِ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ، إِذْ كَانُوا قَدْ هَلَكُوا فَبَادُوا، وَإِنَّمَا يُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَدْعُونَ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ مَوْجُودِينَ، لَا عَمَّنْ قَدْ هَلَكَ. فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَصَفْنَا: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَيُّهَا الْقَوْمُ حَالَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُكُمْ وَلَا يَضُرُّكُمْ، إِنْ أَرَادَ اللَّهُ بِكُمْ سُوءًا، وَلَا يُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا؛ وَإِنَّ مَثَلَهُ فِي قِلَّةِ غَنَائِهِ عَنْكُمْ، مَثَلُ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ فِي غَنَائِهِ عَنْهَا.
§وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4] يَقُولُ: وَاللَّهُ الْعَزِيزُ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ، وَأَشْرَكَ فِي عِبَادَتِهِ مَعَهُ غَيْرَهُ , فَاتَّقُوا أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِهِ عِقَابَهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ بِكُمْ، كَمَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ قَصَصَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ نَزَلَ بِكُمْ عِقَابُهُ لَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ أَوْلِيَاؤُكُمُ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ، كَمَا لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ مَنْ قَبْلَكُمْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ مِنْ دُونِهِ، {الْحَكِيمُ} [البقرة: 32] فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ، فَمُهْلِكٌ مَنِ اسْتَوْجَبَ الْهَلَاكَ فِي الْحَالِ الَّتِي هَلَاكُهُ صَلَاحٌ، وَالْمُؤَخِّرُ مَنْ أَخَّرَ هَلَاكَهُ مَنْ كَفَرَةِ خَلْقِهِ بِهِ إِلَى الْحِينِ الَّذِي فِي هَلَاكِهِ الصَّلَاحُ.
§وَقَوْلُهُ: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} [العنكبوت: 43] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهَذِهِ الْأَمْثَالُ، وَهِيَ الْأَشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ {نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} [العنكبوت: 43] , يَقُولُ: نُمَثِّلُهَا وَنُشَبِّهُهَا , وَنَحْتَجُّ بِهَا لِلنَّاسِ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
[البحر المنسرح]
-[407]- هَلْ تَذْكُرُ الْعَهْدَ مِنْ تَنَمُّصَ ... إِذْ تَضْرِبُ لِي قَاعِدًا بِهَا مَثَلَا
{وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا يَعْقِلُ أَنَّهُ أُصِيبَ بِهَذِهِ الْأَمْثَالِ الَّتِي نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ مِنْهُمُ الصَّوَابَ وَالْحَقَّ فِيمَا ضُرِبَتْ لَهُ مَثَلًا إِلَّا الْعَالِمُونَ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ.
الصفحة 406