كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 18)
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ شَدَّادٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ، " {§إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} [العنكبوت: 56] قَالَ: رِزْقِي لَكُمْ وَاسِعٌ ". وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ، فَاهْرُبُوا مِمَّنْ مَنَعَكُمْ مِنَ الْعَمَلِ بِطَاعَتِي لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ {فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56] عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ أَظْهَرُ مَعْنَيَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ إِذَا وَصَفَهَا بِسَعَةٍ، فَالْغَالِبُ مِنْ وَصْفِهِ إِيَّاهَا بِذَلِكَ، أَنَّهَا لَا تَضِيقُ جَمِيعُهَا عَلَى مَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ مِنْهَا مَوْضِعٌ، لَا أَنَّهُ وَصَفَهَا بِكَثْرَةِ الْخَيْرِ وَالْخَصْبِ.
§وَقَوْلُهُ: {فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56] يَقُولُ: فَأَخْلِصُوا لِي عِبَادَتَكُمْ وَطَاعَتَكُمْ، وَلَا تُطِيعُوا فِي مَعْصِيَتِي أَحَدًا.
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تَرْجَعُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [العنكبوت: 58] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّهِ: هَاجِرُوا مِنْ أَرْضِ الشِّرْكِ مِنْ مَكَّةَ، إِلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ الْمَدِينَةِ، فَإِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ، فَاصْبِرُوا عَلَى عِبَادَتِي، وَأَخْلِصُوا طَاعَتِي، فَإِنَّكُمْ مَيِّتُونَ، وَصَائِرُونَ إِلَيَّ، لِأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ حَيَّةً ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، ثُمَّ إِلَيْنَا بَعْدَ الْمَوْتِ تُرَدُّونَ. ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا أَعَدَّ لِلصَّابِرِينَ مِنْهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ، مِنْ كَرَامَتِهِ عِنْدَهُ، فَقَالَ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 9] يَعْنِي: صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 25] يَقُولُ: وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ
الصفحة 435