كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 18)

فَأَطَاعُوهُ فِيهِ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا} [العنكبوت: 58] يَقُولُ: لَنُنْزِلَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ عَلَالِيَ. وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ} [النحل: 41] بِالْبَاءِ , وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ بِالثَّاءِ: (لَنُثَوِّيَنَّهُمْ) . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ} [النحل: 41] مِنْ بَوَّأْتُهُ مَنْزِلًا: أَيْ أَنْزَلْتُهُ، وَكَذَلِكَ , لَنُثَوِّيَنَّهُمْ؛ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَثْوَيْتُهُ مَسْكَنًا , إِذَا أَنْزَلْتُهُ مَنْزِلًا، مِنَ الثَّوَاءِ، وَهُوَ الْمُقَامُ.
§وَقَوْلُهُ: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [البقرة: 25] يَقُولُ: تَجْرِي مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا الْأَنْهَارُ. {خَالِدِينَ فِيهَا} [البقرة: 162] يَقُولُ: مَاكِثِينَ فِيهَا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ {نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [العنكبوت: 58] يَقُولُ: نِعْمَ جَزَاءُ الْعَامِلِينَ بِطَاعَةِ اللَّهِ هَذِهِ الْغُرَفُ الَّتِي يُثَوِّيهُمُوهَا اللَّهُ فِي جَنَّاتِهِ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ {الَّذِينَ صَبَرُوا} [هود: 11] عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ فِي الدُّنْيَا، وَمَا كَانُوا يَلْقَوْنَ مِنْهُمْ، وَعَلَى الْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَمَا يُرْضِيهِ، وَجِهَادِ أَعْدَائِهِ {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] فِي أَرْزَاقِهِمْ وَجِهَادِ أَعْدَائِهِمْ، فَلَا يَنْكِلُونَ عَنْهُمْ ثِقَةً مِنْهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ مُعْلِي كَلِمَتِهِ، وَمُوهِنُ كَيْدِ -[437]- الْكَافِرِينَ، وَأَنَّ مَا قَسَمَ لَهُمْ مِنَ الرِّزْقِ فَلَنْ يَفُوتَهُمْ.

الصفحة 436