كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 18)

§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 63] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَئِنْ سَأَلْتَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ: مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يُنَزِّلُهُ اللَّهُ مِنَ السَّحَابِ {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ} [البقرة: 164] يَقُولُ: فَأَحْيَا بِالْمَاءِ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ الْأَرْضَ، وَإِحْيَاؤُهَا: إِنْبَاتُهُ النَّبَاتَ فِيهَا {مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا} [العنكبوت: 63] مِنْ بَعْدِ جُدُوبِهَا وَقُحُوطِهَا، وَقَوْلُهُ: {لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت: 61] يَقُولُ: لَيَقُولُنَّ: الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ اللَّهُ الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَوْلُهُ: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} [النمل: 59] يَقُولُ: وَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ، فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 63] يَقُولُ: بَلْ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ لَا يَعْقِلُونَ مَا لَهُمْ فِيهِ النَّفْعُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ، وَمَا فِيهِ الضُّرُّ، فَهُمْ لِجَهْلِهِمْ يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ لِعِبَادَتِهِمُ الْآلِهَةَ دُونَ اللَّهِ، يَنَالُونَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ زُلْفَةً وَقُرْبَةً، وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ بِذَلِكَ هَالِكُونَ مُسْتَوْجِبُونَ الْخُلُودَ فِي النَّارِ.
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ، وَإِنَّ الدَّارَ -[440]- الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [العنكبوت: 64] الَّتِي يَتَمَتَّعُ مِنْهَا هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ {إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ} [العنكبوت: 64] يَقُولُ: إِلَّا تَعْلِيلُ النُّفُوسِ بِمَا تَلْتَذُّ بِهِ، ثُمَّ هُوَ مُنْقَضٍ عَنْ قَرِيبٍ، لَا بَقَاءَ لَهُ وَلَا دَوَامَ {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت: 64] يَقُولُ: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَفِيها الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ الَّتِي لَا زَوَالَ لَهَا , وَلَا انْقِطَاعَ , وَلَا مَوْتَ مَعَهَا.

الصفحة 439