كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 18)

وَالتَّوْبِيخِ: أَيِ: اكْفُرُوا , فَإِنَّكُمْ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَاذَا يَلْقَوْنَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ بِهِ. وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِسُكُونِ اللَّامِ عَلَى وَجْهِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوهُ بِكَسْرِ اللَّامِ زَعَمُوا أَنَّهُمْ إِنَّمَا اخْتَارُوا كَسْرَهَا عَطْفًا بِهَا عَلَى اللَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {لِيَكْفُرُوا} [النحل: 55] وَأَنَّ قَوْلَهُ {لِيَكْفَرُوا} [النحل: 55] لَمَّا كَانَ مَعْنَاهُ: كَيْ يَكْفُرُوا كَانَ الصَّوَابَ فِي قَوْلِهِ {وَلِيَتَمَتَّعُوا} [العنكبوت: 66] أَنْ يَكُونَ: وَكَيْ يَتَمَتَّعُوا، إِذْ كَانَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: لِيَكْفُرُوا عِنْدَهُمْ، وَلَيْسَ الَّذِي ذَهَبُوا مِنْ ذَلِكَ بِمَذْهَبٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَامَ قَوْلِهِ {لِيَكْفُرُوا} [النحل: 55] صَلُحَتْ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى كَيْ، لِأَنَّهَا شَرْطٌ لِقَوْلِهِ: إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ , كَيْ يَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ مِنَ النِّعَمِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ {وَلِيَتَمَتَّعُوا} [العنكبوت: 66] لِأَنَّ إِشْرَاكَهُمْ بِاللَّهِ كَانَ يَكْفُرُوا بِنِعْمَتِهِ، وَلَيْسَ إِشْرَاكُهُمْ بِهِ تَمَتُّعًا بِالدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ الْإِشْرَاكُ بِهِ يُسَهِّلُ لَهُمْ سَبِيلَ التَّمَتُّعِ بِهَا , فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَوْجِيهُهُ إِلَى مَعْنَى الْوَعِيدِ أَوْلَى وَأَحَقُّ مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى مَعْنَى: وَكَيْ يَتَمَتَّعُوا. وَبَعْدُ فَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: «وَتَمَتَّعُوا» وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَنْ قَرَأَهُ بِسُكُونِ اللَّامِ بِمَعْنَى الْوَعِيدِ.
§وَقَوْلُهُ: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} [العنكبوت: 67] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُذَكِّرًا هَؤُلَاءِ -[443]- الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، الْقَائِلِينَ: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ، نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمُ الَّتِي خَصَّهُمْ بِهَا دُونَ سَائِرِ النَّاسِ غَيْرَهُمْ مَعَ كُفْرِهِمْ بِنِعْمَتِهِ , وَإِشْرَاكِهِمْ فِي عِبَادَتِهِ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ: أَوَ لَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، مَا خَصَصْنَاهُمْ بِهِ مِنْ نِعْمَتِنَا عَلَيْهِمْ دُونَ سَائِرِ عِبَادِنَا، فَيَشْكُرُونَا عَلَى ذَلِكَ، وَيَنْزَجِرُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بِنَا، وَإِشْرَاكِهِمْ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ فِي عِبَادَتِنَا , أَنَّا جَعَلْنَا بَلَدَهُمْ حَرَمًا , حَرَّمْنَا عَلَى النَّاسِ أَنْ يَدْخُلُوهُ بِغَارَةٍ أَوْ حَرْبٍ، {آمِنًا} [البقرة: 8] يَأْمَنُ فِيهِ مَنْ سَكَنَهُ، فَأَوَى إِلَيْهِ مِنَ السِّبَاءِ وَالْخَوْفِ وَالْحَرَامِ الَّذِي لَا يَأْمَنُهُ غَيْرُهُمْ مِنَ النَّاسِ {وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67] يَقُولُ: وَتُسْلَبُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ قَتْلًا وَسِبَاءً.

الصفحة 442