كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 18)

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِذَا أَصَابَ النَّاسَ مِنَّا خِصْبٌ وَرَخَاءٌ، وَعَافِيَةٌ فِي الْأَبْدَانِ وَالْأَمْوَالِ، فَرِحُوا بِذَلِكَ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ مِنَّا شِدَّةٌ مِنْ جَدْبٍ وَقَحْطٍ وَبَلَاءٍ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَبْدَانِ {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: 95] يَقُولُ: بِمَا أَسْلَفُوا مِنْ سَيِّئِ الْأَعْمَالِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَرَكِبُوا مِنَ الْمَعَاصِي {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36] يَقُولُ: إِذَا هُمْ يَيْأَسُونَ مِنَ الْفَرَجِ؛ وَالْقُنُوطُ: هُوَ الْإِيَاسُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ حُمَيْدٍ الْأَرْقَطِ:
[البحر الرجز]
قَدْ وَجَدُوا الْحَجَّاجَ غَيْرَ قَانِطِ
وَقَوْلُهُ: {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36] هُوَ جَوَابُ الْجَزَاءِ، لِأَنَّ «إِذَا» نَابَتْ عَنِ الْفِعْلِ بِدِلَالَتِهَا عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَجَدْتَهُمْ يَقْنَطُونَ، أَوْ تَجِدُهُمْ، أَوْ رَأَيْتَهُمْ، أَوْ تَرَاهُمْ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: إِذَا كَانَتْ «إِذَا» جَوَابًا لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ بِمَنْزِلَةِ الْفَاءِ.
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الروم: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوَلَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ عِنْدَ الرَّخَاءِ يُصِيبُهُمْ وَالْخِصْبِ، وَيَيْأَسُونَ مِنَ الْفَرَجِ عِنْدَ شِدَّةٍ تَنَالُهُمْ، بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ، فَيَعْلَمُوا أَنَّ الشِّدَّةَ وَالرَّخَاءَ بِيَدِ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَيُوسِعُهُ عَلَيْهِ، -[502]- وَيَقْدِرُ عَلَى مَنْ أَرَادَ فَيُضَيِّقُهُ عَلَيْهِ

الصفحة 501