كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 18)

{§إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79] يَقُولُ: إِنَّ فِي بَسْطِهِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ بَسَطَهُ عَلَيْهِ، وَقَدْرِهِ عَلَى مَنْ قَدَرَهُ عَلَيْهِ، وَمُخَالَفَتِهِ بَيْنَ مَنْ خَالَفَ بَيْنَهُ مِنْ عِبَادِهِ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، لَدِلَالَةً وَاضِحَةً لِمَنْ صَدَّقَ حِجَجَ اللَّهِ وَأَقَرَّ بِهَا إِذَا عَايَنَهَا وَرَآهَا.
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [الروم: 38] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطِ يَا مُحَمَّدُ ذَا الْقَرَابَةِ مِنْكَ حَقَّهُ عَلَيْكَ مِنَ الصِّلَةِ وَالْبِرِّ، وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ، مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُمَا فِي ذَلِكَ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، " {§فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [الروم: 38] قَالَ: هُوَ أَنْ تُوَفِّيَهُمْ حَقَّهُمْ إِنْ كَانَ عِنْدَ يُسْرٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا، قُلْ لَهُمُ الْخَيْرَ "
§وَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} [الروم: 38] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِيتَاءُ هَؤُلَاءِ حُقُوقَهُمُ الَّتِي أَلْزَمَهَا اللَّهُ عِبَادَهُ، خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ اللَّهَ بِإِتْيَانِهِمْ ذَلِكَ {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5] يَقُولُ: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُبْتَغِيًا وَجْهَ اللَّهِ بِهِ، فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُنْجِحُونَ، الْمُدْرِكُونَ طِلْبَاتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، الْفَائِزُونَ بِمَا ابْتَغَوْا وَالْتَمَسُوا بِإِيتَائِهِمْ إِيَّاهُمْ مَا آتَوْا.
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ} [الروم: 39]-[503]- يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا أَعْطَيْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ عَطِيَّةٍ لِتَزْدَادَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ بِرُجُوعِ ثَوَابِهَا إِلَيْهِ، مِمَّنْ أَعْطَاهُ ذَلِكَ {فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ} [الروم: 39] يَقُولُ: فَلَا يَزْدَادُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يُعْطِهِ مَنْ أَعْطَاهُ مُبْتَغِيًا بِهِ وَجْهَهُ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

الصفحة 502