كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 18)

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {فَإِنَّكَ} [المائدة: 118] يَا مُحَمَّدُ {لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] يَقُولُ: لَا تَجْعَلُ لَهُمْ أَسْمَاعًا يَفْهَمُونَ بِهَا عَنْكَ مَا تَقُولُ لَهُمْ، وَإِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ مَعْنَاهُ: فَإِنَّكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تُفْهِمَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَدْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَسْمَاعِهِمْ، فَسَلَبَهُمْ فَهْمَ مَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ مَوَاعِظِ تَنْزِيلِهِ، كَمَا لَا تَقْدِرُ أَنْ تُفْهِمَ الْمَوْتَى الَّذِينَ قَدْ سَلَبَهُمُ اللَّهُ أَسْمَاعَهُمْ، بِأَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ أَسْمَاعًا. وَقَوْلُهُ: {وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} [النمل: 80] يَقُولُ: وَكَمَا لَا تَقْدِرُ أَنْ تُسْمِعَ الصُّمَّ الَّذِينَ قَدْ سُلِبُوا السَّمْعَ الدُّعَاءَ، إِذَا هُمْ وَلَّوْا عَنْكَ مُدْبِرِينَ، كَذَلِكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تُوَفِّقَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدْ سَلَبَهُمُ اللَّهُ فَهْمَ آيَاتِ كِتَابِهِ، لِسَمَاعِ ذَلِكَ وَفَهْمِهِ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " {§فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [الروم: 52] هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكَافِرِ؛ فَكَمَا لَا يَسْمَعُ الْمَيِّتُ الدُّعَاءَ، كَذَلِكَ لَا يَسْمَعُ الْكَافِرُ "
{§وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل: 80] يَقُولُ: لَوْ أَنَّ أَصَمَّ وَلَّى مُدْبِرًا , ثُمَّ نَادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الْكَافِرُ لَا يَسْمَعُ وَلَا يَنْتَفِعُ بِمَا يَسْمَعُ
§وَقَوْلُهُ: {وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ} [النمل: 81] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ بِمُسَدِّدٍ مَنْ أَعْمَاهُ اللَّهُ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ، وَمَحَجَّةِ الْحَقِّ، فَلَمْ يُوَفِّقْهُ لِإِصَابَةِ -[525]- الرُّشْدِ، فَصَارِفُهُ عَنْ ضَلَالَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، وَرُكُوبِهِ الْجَائِرَ مِنَ الطُّرُقِ، إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، يَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ بِيَدِكَ وَلَا إِلَيْكَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرِي، لِأَنِّي الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَقِيلَ: بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ، وَلَمْ يَقُلْ: مِنْ ضَلَالَتِهِمْ. لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ مَا وَصَفْتُ، مِنْ أَنَّهُ: وَمَا أَنْتَ بِصَارِفِهِمْ عَنْهُ، فَحُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى. وَلَوْ قِيلَ: مِنْ ضَلَالَتِهِمْ كَانَ صَوَابًا. وَكَانَ مَعْنَاهُ: مَا أَنْتَ بِمَانِعِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ.

الصفحة 524