كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 19)

§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [سبأ: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَلَمْ يَنْظُرْ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِالْمِعَادِ، الْجَاحِدُونَ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَمَاتِ، الْقَائِلُونَ لِرَسُولِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 8] إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَيَعْلَمُوا أَنَّهُمْ حَيْثُ كَانُوا، فَإِنَّ أَرْضِي وَسَمَائِي مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمَنْ خَلْفِهُمْ، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ، فَيَرْتَدِعُوا عَنْ جَهْلِهِمْ، وَيَتَزَجَّرُوا عَنْ تَكْذِيبِهِمْ بِآيَاتِنَا حَذَرًا أَنْ نَأْمُرَ الْأَرْضَ فَتَخْسِفُ بِهِمْ، أَوِ السَّمَاءَ فَتَسْقُطُ عَلَيْهِ قِطَعًا، فَإِنَّا إِنْ نَشَأْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ فِعْلَنَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {§أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [سبأ: 9] قَالَ: " يَنْظُرُونَ عَنْ أَيْمَانِهِمْ، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ، كَيْفَ السَّمَاءُ قَدْ أَحَاطَتْ بِهِمْ {إِنْ نَشَأْ نَخْسِفُ بِهِمُ الْأَرْضَ} [سبأ: 9] كَمَا خَسَفْنَا بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ {أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ} [سبأ: 9] أَيْ قِطَعًا مِنَ السَّمَاءِ "
§وَقَوْلُهُ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [سبأ: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي -[219]- إِحَاطَةِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِعِبَادِ اللَّهِ {لَآيَةً} [البقرة: 248] يَقُولُ: لَدَلَالَةً {لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [سبأ: 9] يَقُولُ: لِكُلِّ عَبْدٍ أَنَابَ إِلَى رَبِّهِ بِالتَّوْبَةِ، وَرَجَعَ إِلَى مَعْرِفَةِ تَوْحِيدِهِ، وَالْإِقْرَارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَالِاعْتِرَافِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ، وَالْإِذْعَانِ لِطَاعَتِهِ، عَلَى أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ أَرَادَ فِعْلَهُ، وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ شَاءَهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

الصفحة 218