كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 19)

§وَقَوْلُهُ: {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [سبأ: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَرَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ عَلَى أَعْمَالِ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ بِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا {حَفِيظٌ} [هود: 57] لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَهُوَ مَجَازٍ جَمِيعَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِمَا كَسَبُوا فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَهَذَا فِعْلُنَا بِوَلِيِّنَا وَمَنْ أَطَاعَنَا، دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ الَّذِي فَعَلْنَا بِهِمَا مِنْ إِنْعَامِنَا عَلَيْهِمَا النِّعَمَ الَّتِي لَا كِفَاءَ لَهَا إِذْ شَكَرَانَا، وَذَاكَ فِعْلُنَا بِسَبَإٍ الَّذِينَ فَعَلْنَا بِهِمْ، إِذْ بَطَرُوا نِعْمَتَنَا، وَكَذَّبُوا رُسُلَنَا، وَكَفَرُوا أَيَادِينَا، فَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِرَبِّهِمْ مِنْ قَوْمِكَ، الْجَاحِدِينَ نِعَمَنَا عِنْدَهُمُ: ادْعُوا أَيُّهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ لِلَّهِ شَرِيكٌ مِنْ دُونِهِ، فَسَلُوهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِكُمْ بَعْضَ أَفْعَالِنَا، بِالَّذِينَ وَصَفْنَا أَمْرَهُمْ مِنْ إِنْعَامٍ أَوِ إِيَاسٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُبْطِلُونَ، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الرُّبُوبِيَّةِ لَا تَصْلُحُ وَلَا تَجُوزُ، ثُمَّ وَصَفَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ مِنْ خَيْرٍ وَلَا شَرٍّ وَلَا ضُرٍّ وَلَا نَفْعٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا مَنْ كَانَ كَذَلِكَ
§وَقَوْلُهُ: {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ} [سبأ: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا هُمْ إِذْ لَمْ يَكُونُوا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، مُنْفَرِدِينَ بِمُلْكِهِ مِنْ -[273]- دُونِ اللَّهِ، يَمْلِكُونَهُ عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ، لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ فِي الْمَمْلُوكَاتِ، لَا تَكُونُ لِمَالِكِهَا إِلَّا عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا مَقْسُومًا، وَإِمَّا مُشَاعًا؛ يَقُولُ: وَآلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، لَا يَمْلِكُونَ وَزْنَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، لَا مُشَاعًا وَلَا مَقْسُومًا، فَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ كَانَ هَكَذَا شَرِيكًا لِمَنْ لَهُ مُلْكُ جَمِيعِ ذَلِكَ

الصفحة 272