كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 19)

§وَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: سُبُوقُ هَذَا السَّابِقِ مَنْ سَبَقَهُ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ، هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ الَّذِي فَضَّلَ بِهِ مِنْ كَانَ مُقَصِّرًا عَنْ مَنْزِلَتِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ مِنَ الْمُقْتَصِدِ وَالظَّالِمِ لِنَفْسِهِ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 34] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: بَسَاتِينُ إِقَامَةٌ يَدْخُلُونَهَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَوْرَثْنَاهُمُ الْكِتَابَ، الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} [الكهف: 31] يَلْبَسُونَ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ أَسْوِرَةً مِنْ ذَهَبٍ {وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23] يَقُولُ: وَلِبَاسُهُمْ فِي الْجَنَّةِ حَرِيرٌ
§وَقَوْلُهُ: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: 34] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْحَزَنِ الَّذِي حَمِدَ اللَّهَ عَلَى إِذْهَابِهِ عَنْهُمْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ الْحُزْنُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ قَبْلَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ مِنْ خَوْفِ النَّارِ، إِذْ كَانُوا خَائِفِينَ أَنْ يَدْخُلُوهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي قَتَادَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَتَادَةَ السَّدُوسِيُّ، قَالَ: ثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ صَاحِبُ الدَّسْتُوَائِيِّ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: {§الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: 34] قَالَ: «حُزْنَ النَّارِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنِ -[378]- الْحَسَنِ {§وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] قَالَ: " إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمُ ذَلَلٍ، ذَلَّتْ وَاللَّهِ الْأَسْمَاعُ وَالْأَبْصَارُ وَالْجَوَارِحُ، حَتَّى يَحْسِبُهُمُ الْجَاهِلُ مَرْضَى، وَمَا بِالْقَوْمِ مَرَضٌ، وَإِنَّهُمْ لَأَصِحَّةُ الْقُلُوبِ، وَلَكِنْ دَخَلَهُمْ مِنَ الْخَوْفِ مَا لَمْ يَدْخُلْ غَيْرَهُمْ، وَمَنَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا عِلْمَهُمْ بِالْآخِرَةِ، فَقَالُوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: 34] ، وَالْحَزَنُ: وَاللَّهِ مَا حُزْنُهُمْ حَزْنَ الدُّنْيَا، وَلَا تَعَاظَمَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا طَلَبُوا بِهِ الْجَنَّةَ أَبْكَاهُمُ الْخَوْفُ مِنَ النَّارِ، وَأَنَّهُ مَنْ لَا يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ يَقْطَعْ نَفْسَهُ عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ، وَمَنْ لَمْ يَرَ لِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةً إِلَّا فِي مَطْعَمٍ أَوْ مَشْرَبٍ، فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ، وَحَضَرَ عَذَابُهُ " وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِهِ الْمَوْتَ "

الصفحة 377