كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 20)

نَذِيرٌ مُبِينٌ؛ فأَنَّمَا عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى قَوْلِ مَنْ كَانَ يَرَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْحَرْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَرْفٍ خَافِضٍ، فَسَوَاءٌ إِسْقَاطُ خَافِضِهِ مِنْهُ وَإِثْبَاتُهُ وَإِمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ رَأَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا يُنْصَبُ إِذَا أُسْقِطَ مِنْهُ الْخَافِضُ، فَإِنَّهُ عَلَى مُذْهَبِهِ نُصَبَ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَدْ يَتَّجِهُ لِهَذَا الْكَلَامِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: مَا يُوحِي اللَّهُ إِلَى إِنْذَارِكُمْ، وَإِذَا وَجْهُ الْكَلَامِ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، كَانَتْ إِنَّمَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، لِأَنَّ الْكَلَامَ يَصِيرُ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى: مَا يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا الْإِنْذَارُ
§قَوْلِهِ: {إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [ص: 70] يَقُولُ: إِلَّا أَنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ مُبِينٌ لَكُمْ إِلَّا إِنْذَارُكُمْ وَقِيلَ: إِلَّا أَنَّمَا أَنَا، وَلَمْ يَقُلْ: إِلَّا أَنَّمَا أَنَّكَ، وَالْخَبَرُ مِنْ مُحَمَّدٍ عَنِ اللَّهِ، لِأَنَّ الْوَحْيَ قَوْلٌ، فَصَارَ فِي مَعْنَى الْحِكَايَةِ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: أَخْبَرُونِي أَنِّي مُسِيءٌ، وَأَخْبَرُونِي أَنَّكَ مُسِيءٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الرجز]
رَجْلَانِ مِنْ ضَبَّةَ أَخْبَرَانَا ... أَنَّا رَأَيْنَا رَجُلًا عُرْيَانَا
بِمَعْنَى: أَخَبْرَانَا أَنَّهُمَا رَأَيَا، وَجَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْخَبَرَ أَصْلُهُ حِكَايَةٌ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ -[144]- طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [ص: 72] وَقَوْلُهُ: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ} [ص: 71] مِنْ صِلَةِ قَوْلِهِ: {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44] وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَأ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ حِينَ قَالَ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ {لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} [ص: 71] يَعْنِي بِذَلِكَ خَلْقَ آدَمَ

الصفحة 143