كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 20)

§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {خَلَقَكُمْ} [البقرة: 21] أَيُّهَا النَّاسُ {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1] يَعْنِي مِنْ آدَمَ {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الزمر: 6] يَقُولُ: ثُمَّ جَعَلَ مِنْ آدَمَ زَوْجُهُ حَوَّاءَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا مِنْ ضِلَعٍ مِنْ أَضْلَاعِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {§خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1] «يَعْنِي آدَمَ، ثُمَّ خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا حَوَّاءَ، خَلَقَهَا مِنْ ضِلَعٍ مِنْ أَضْلَاعِهِ» فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا؟ وَإِنَّمَا خُلِقَ وَلَدُ آدَمَ مِنْ آدَمَ وَزَوْجَتِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَالِدَيْنِ قَبْلَ الْوَلَدِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: قِيلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ -[162]- اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَأَخْرَجَ كُلَّ نَسَمَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أَسْكَنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْجَنَّةَ، وَخَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلَعٍ مِنْ أَضْلَاعِهِ» ، فَهَذَا قَوْلٌ وَالْآخَرُ: أَنَّ الْعَرَبَ رُبَّمَا أَخْبَرَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَنْ رَجُلٍ بِفِعْلَيْنِ، فَيَرُدُّ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فِي الْمَعْنَى بِثُمَّ، إِذَا كَانَ مِنْ خَبَرِ الْمُتَكَلِّمِ، كَمَا يُقَالُ: قَدْ بَلَغَنِي مَا كَانَ مِنْكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ مَا كَانَ مِنْكَ أَمْسِ أَعْجَبُ، فَذَلِكَ نَسْقٌ مِنْ خَبَرِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ خَلْقُهُ الزَّوْجَ مَرْدُودًا عَلَى وَاحِدِهَا، كَأَنَّهُ قِيلَ: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَحْدِهَا ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا، فَيَكُونُ فِي وَاحِدَةٍ مَعْنَى: خَلَقَهَا وَحْدَهَا، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
أَعْدَدْتَهُ لِلْخَصْمِ ذِي التَّعَدِّي ... كَوَّحْتَهُ مِنْكَ بِدُونِ الْجَهْدِ
بِمَعْنَى: الَّذِي إِذَا تَعَدَّى كَوَّحْتُهُ، وَمَعْنَى: كَوَّحْتُهُ: غَلَبْتُهُ وَالْقَوْلُ الَّذِي يَقُولُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ الَّذِي ذَكَرْتُ أَنَّهُ يُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ حَوَّاءَ، وَبِذَلِكَ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْقَوْلَانِ الْآخَرَانِ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ

الصفحة 161