كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 20)
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ مِنْ فِي قَوْلِهِ: {حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} [الزمر: 75] وَالْمَعْنَى: حَافِّينَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَفِي قَوْلِهِ: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: أُدْخِلَتْ مِنْ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ تَوْكِيدًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَقَوْلِكَ: مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ؛ وَقَالَ غَيْرُهُ: قَبْلَ وَحَوْلَ وَمَا أَشْبَهَهُمَا ظُرُوفٌ تَدْخُلُ فِيهَا مِنْ وَتَخْرُجُ، نَحْوَ: أَتَيْتُكَ قَبْلَ زَيْدٍ، وَمِنْ قَبْلِ زَيْدٍ، وَطُفْنَا حَوْلَكَ وَمِنْ حَوْلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ نَوْعِ مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ، لِأَنَّ مَوْضِعَ مِنْ فِي قَوْلُهُمْ: مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ رَفْعٌ، وَهُوَ اسْمٌ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ مِنْ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ، أَعْنِي فِي قَوْلِهِ {مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} [الزمر: 75] وَمِنْ قَبْلِكَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ دَخَلَتْ عَلَى الظُّرُوفِ فَإِنَّهَا بِمَعْنَى التَّوْكِيدِ
§وَقَوْلُهُ: {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [الزمر: 75] يَقُولُ: يُصَلُّونَ حَوْلَ عَرْشِ اللَّهِ شُكْرًا لَهُ؛ وَالْعَرَبُ تُدْخِلُ الْبَاءَ أَحْيَانًا فِي التَّسْبِيحِ، وَتَحْذِفُهَا أَحْيَانًا، فَتَقُولُ: سَبِّحْ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَسَبِّحْ حَمْدَ اللَّهِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {فَسَبِّحِ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74]
§وَقَوْلُهُ: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} [الزمر: 69] يَقُولُ: وَقَضَى اللَّهُ بَيْنَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ جِيءَ بِهِمْ، وَالشُّهَدَاءِ وَأُمَمِهَا بِالْعَدْلِ، فَأَسْكَنَ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَهْلَ الْكُفْرِ بِهِ، وَمِمَّا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ النَّارَ {وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر: 75] يَقُولُ: وَخَتَمَتْ خَاتِمَةُ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ بِالشُّكْرِ لِلَّذِي ابْتَدَأَ خَلَقَهُمُ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهِيَّةُ، وَمَلَكَ جَمِيعَ مَا فِي السَّمَوَاتِ -[273]- وَالْأَرْضِ مِنَ الْخَلْقِ مِنْ مَلَكٍ وَجِنٍّ وَإِنْسٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الْخَلْقِ
الصفحة 272