كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 20)

الْإِحْسَانِ رَاجِيًا، وَلَا لِلْعِقَابِ عَلَى الْإِسَاءَةِ وَقَبِيحِ مَا يَأْتِي مِنَ الْأَفْعَالِ خَائِفًا، وَلِذَلِكَ كَانَ اسْتِجَارَتُهُ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ خَاصَّةً
§وَقَوْلُهُ: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر: 28] اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ آمَنَ بِمُوسَى، وَكَانَ يُسِرُّ إِيمَانَهُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، {§وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [غافر: 28] قَالَ: «هُوَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ» وَيُقَالُ: هُوَ الَّذِي نَجَا مَعَ مُوسَى، فَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ، وَتَأَوَّلَ هَذَا التَّأْوِيلِ، كَانَ صَوَابًا الْوَقْفُ إِذَا أَرَادَ الْقَارِئُ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ: {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 49] لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مُتَنَاهُ قَدْ تَمَّ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ الرَّجُلُ إِسْرَائِيلِيًّا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَالصَّوَابُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِمَنْ أَرَادَ الْوَقْفَ أَنْ يَجْعَلَ وَقَفَهُ عَلَى قَوْلِهِ: {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر: 28] لِأَنَّ قَوْلَهُ: {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 49] صِلَةٌ لِقَوْلِهِ: {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر: 28] فَتَمَامُهُ قَوْلُهُ: يَكْتُمُ إِيمَانَهُ
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ " §اسْمَ هَذَا الرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ: جِبْرِيلُ " كَذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ -[312]- حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ السُّدِّيُّ مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ كَانَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، قَدْ أَصْغَى لَكَلَامِهِ، وَاسْتَمَعَ مِنْهُ مَا قَالَهُ، وَتَوَقَّفَ عَنْ قَتْلِ مُوسَى عِنْدَ نُهْيِهِ عَنْ قَتْلِهِ وَقِيلِهِ مَا قَالَهُ وَقَالَ لَهُ: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى، وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلِ الرَّشَادِ، وَلَوْ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا لَكَانَ حَرِيًّا أَنْ يُعَاجِلَ هَذَا الْقَاتِلَ لَهُ، وَلِمَلَئِهِ مَا قَالَ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى قَوْلِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَنْصِحُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِاعْتِدَادِهِ إِيَّاهُمْ أَعْدَاءً لَهُ، فَكَيْفَ بِقَوْلِهِ عَنْ قَتْلِ مُوسَى لَوْ وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا؟ وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ مَلَأِ قَوْمِهِ، اسْتَمَعَ قَوْلَهُ، وَكُفَّ عَمَّا كَانَ هُمْ بِهِ فِي مُوسَى

الصفحة 311