كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 20)

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، {§مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} [ص: 15] يَقُولُ: «لَيْسَ لَهُمْ بَعْدَهَا إِفَاقَةٌ وَلَا رُجُوعٌ إِلَى الدُّنْيَا» وَقَالَ آخَرُونَ: الصَيْحَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْعَذَابُ وَمَعْنَى الْكَلَامِ: مَا يَنْتَظِرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ إِلَّا عَذَابًا يُهْلِكُهُمْ، لَا إِفَاقَةَ لَهُمْ مِنْهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {§مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} [ص: 15] قَالَ: «مَا يَنْتَظِرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ، مَا لَهَا مِنْ صَيْحَةٍ لَا يَفِيقُونَ فِيهَا كَمَا يَفِيقُ الَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ وَكَمَا يَفِيقُ الْمَرِيضُ تُهْلِكُهُمْ، لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا إِفَاقَةٌ» وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ {مِنْ فَوَاقٍ} [ص: 15] بِفَتْحِ الْفَاءِ وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (مِنْ فُوَاقٍ) بِضَمِّ الْفَاءِ، وَاخْتَلَفَتْ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَاهَا إِذَا قُرِئَتْ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا، فَقَالَ بَعْضُ -[36]- الْبَصْرِيِّينَ مِنْهُمْ: مَعْنَاهَا، إِذَا فُتِحَتِ الْفَاءُ: مَا لَهَا مِنْ رَاحَةٍ، وَإِذَا ضُمَّتْ جَعَلَهَا فُوَاقَ نَاقَةٍ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ وَكَانَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ مِنْهُمْ يَقُولُ: مَعْنَى الْفَتْحِ وَالضَّمِّ فِيهَا وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا هُمَا لُغَتَانِ مِثْلَ السُّوَافِ وَالسَّوَافِ، وَجَمَامِ الْمُكُوكِ وَجُمَامِهِ، وَقُصَاصِ الشَّعْرِ وَقَصَاصِهِ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا لُغَتَانِ، وَذَلِكَ أَنَّا لَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي قِرَاءَتِهِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَعْنَى الضَّمِّ فِيهِ وَالْفَتْحِ، وَلَوْ كَانَ مُخْتَلَفُ الْمَعْنَى بِاخْتِلَافِ الْفَتْحِ فِيهِ وَالضَّمِّ، لَقَدْ كَانُوا فَرَّقُوا بَيْنَ ذَلِكَ فِي الْمَعْنَى فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَبِأَيٍّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ؛ وَأَصْلُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَفَاقَتِ النَّاقَةُ، فَهِيَ تَفِيقُ إِفَاقَةً، وَذَلِكَ إِذَا رَدَّتْ مَا بَيْنَ الرَّضْعَتَيْنِ وَلَدَهَا إِلَى الرَّضْعَةِ الْأُخْرَى، وَذَلِكَ أَنْ تُرْضِعَ الْبَهِيمَةَ أُمُّهَا، ثُمَّ تَتْرُكْهَا حَتَّى يَنْزِلَ شَيْءٌ مِنَ اللَّبَنِ، فَتِلْكَ الْإِفَاقَةُ؛ يُقَالُ إِذَا اجْتَمَعَ ذَلِكَ فِي الضَّرْعِ فَيْقَةٌ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
[البحر البسيط]
حَتَّى إِذَا فَيْقَةٌ فِي ضَرْعِهَا اجْتَمَعَتْ ... جَاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضِعَا

الصفحة 35