كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 20)
بِرَبِّهِ، الْعَاصِي لَهُ، الْمُخَالِفُ أَمْرَهُ {قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ} [غافر: 58] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ أَيُّهَا النَّاسُ حُجَجَ اللَّهِ، فَتَعْتَبِرُونَ وَتَتَّعِظُونَ؛ يَقُولُ: لَوْ تَذَكَّرْتُمْ آيَاتِهِ وَاعْتَبَرْتُمْ، لَعَرَفْتُمْ خَطَأَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ إِنْكَارِكُمْ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى إِحْيَائِهِ مَنْ فَنِيَ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَنَاءِ، وَإِعَادَتِهِمْ لِحَيَاتِهِمْ مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهِمْ، وَعَلِمْتُمْ قُبْحَ شِرْكِكُمْ مَنْ تُشْرِكُونَ فِي عِبَادَةِ رَبِّكُمْ. وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 80] فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: (يَتَذَكَّرُونَ) بِالْيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ، وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: {تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 80] بِالتَّاءِ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِهِمَا صَوَابٌ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ السَّاعَةَ الَّتِي يُحْيِي اللَّهُ فِيهَا الْمَوْتَى لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ لَجَائِيَةٌ أَيُّهَا النَّاسُ لَا شَكَّ فِي مَجِيئِهَا؛ يَقُولُ: فَأَيْقِنُوا بِمَجِيئِهَا، وَأَنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ مَمَاتِكُمْ، وَمُجَازَوْنَ بِأَعْمَالِكُمْ، فَتُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} [هود: 17] يَقُولُ: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ قُرَيْشٍ لَا يُصَدِّقُونَ بِمَجِيئِهَا
§وَقَوْلُهُ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَقُولُ رَبُّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ لَكُمُ ادْعُونِي: يَقُولُ: اعْبُدُونِي وَأَخْلِصُوا لِي الْعِبَادَةَ دُونَ -[352]- مَنْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِي مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ {أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] يَقُولُ: أُجِبْ دُعَاءَكُمْ فَأَعْفُو عَنْكُمْ وَأَرْحَمُكُمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
الصفحة 351