كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 20)

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " {§سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} [فصلت: 53] قَالَ: " آفَاقِ السَّمَاوَاتِ: نُجُومِهَا وَشَمْسِهَا وَقَمَرِهَا اللَّاتِي يَجْرِينَ، وَآيَاتٍ فِي أَنْفُسِهِمْ أَيْضًا " وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ مَا قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرِيَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِهِ مُكَذَّبَيْنِ آيَاتٍ فِي الْآفَاقِ، وَغَيْرُ مَعْقُولٍ أَنْ يَكُونَ تَهَدَّدَهُمْ بِأَنْ يُرِيَهُمْ مَا هُمْ رَاءُوهُ، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَعْدًا مِنْهُ لَهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ مَا لَمْ يَكُونُوا رَأَوْهُ قَبْلُ مِنْ ظُهُورِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَطْرَافِ بَلَدِهِمْ وَعَلَى بَلَدِهِمْ، فَأَمَّا النُّجُومُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، فَقَدْ كَانُوا يَرَوْنَهَا كَثِيرًا قَبْلُ وَبَعْدُ وَلَا وَجْهَ لِتَهَدُّدِهِمْ بِأَنَّهُ يُرِيهُمْ ذَلِكَ
§وَقَوْلُهُ: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أُرِي هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَقَائِعَنَا بِأَطْرَافِهِمْ وَبِهِمْ حَتَّى يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ مَا أَنْزَلْنَا إِلَى مُحَمَّدٍ، وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ مِنَ الْوَعْدِ لَهُ بِأَنَّا مُظْهِرُو مَا بعثَنَاهُ بِهِ مِنَ الدِّينِ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
§وَقَوْلُهُ: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ أَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يَفْعَلُهُ خَلْقُهُ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَهُوَ مُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، الْمُحْسِنَ بِالْإِحْسَانِ، -[463]- وَالْمُسِيءَ جَزَاءَهُ وَفِي قَوْلِهِ: {أَنَّهُ} [البقرة: 26] وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى وَجْهِ تَكْرِيرِ الْبَاءِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ؟ وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ رَفَعَا، بِقَوْلِهِ: يَكْفِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ شَهَادَتُهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ

الصفحة 462