كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 20)
الْوَاحِدَ فِي مَعْنَى جَمْعٍ بِمَنْزِلَةِ الْجُنْدِ وَالْجَيْشِ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا قُلْتَ: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظَهْرِهِ، فَجَعَلْتَ الظَّهْرَ وَاحِدًا إِذَا أَضَفْتَهُ إِلَى وَاحِدٍ قُلْتُ: إِنَّ الْوَاحِدَ فِيهِ مَعْنَى الْجَمْعِ، فَرُدَّتِ الظُّهُورُ إِلَى الْمَعْنَى، وَلَمْ يَقُلْ ظَهْرِهِ، فَيَكُونُ كَالْوَاحِدِ الَّذِي مَعْنَاهُ وَلَفْظُهُ وَاحِدٌ وَكَذَلِكَ تَقُولُ: قَدْ كَثُرَ نِسَاءُ الْجُنْدِ، وَقُلْتُ: وَرَفَعَ الْجُنْدُ أَعْيُنَهُ وَلَمْ يَقُلْ عَيْنَهُ قَالَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَضَفْتَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمَوْصُوفَةِ، فَأَخْرَجَهَا عَلَى الْجَمْعِ، وَإِذَا أَضَفْتَ إِلَيْهِ اسْمًا فِي مَعْنَى فِعْلٍ جَازَ جَمْعُهُ وَتَوْحِيدُهُ، مِثْلَ قَوْلِكَ: رَفَعَ الْعَسْكَرُ صَوْتَهُ، وَأَصْوَاتَهُ أَجْوَدُ وَجَازَ هَذَا لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا صُورَةَ لَهُ فِي الِاثْنَيْنِ إِلَّا الصُّورَةِ فِي الْوَاحِدِ وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: قِيلَ: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظَهْرِهِ، لِأَنَّهُ وَصْفٌ لِلْفُلْكِ، وَلَكِنَّهُ وَحَّدَ الْهَاءَ، لِأَنَّ الْفُلْكَ بِتَأْوِيلِ جَمْعٍ، فَجَمَعَ الظُّهُورَ وَوَحَّدَ الْهَاءَ، لِأَنَّ أَفْعَالَ كُلِّ وَاحِدٍ تَأْوِيلُهُ الْجَمْعُ تُوَحَّدُ وَتُجْمَعُ مِثْلَ: الْجُنْدُ مُنْهَزِمٌ وَمُنْهَزِمُونَ، فَإِذَا جَاءَتِ الْأَسْمَاءُ خَرَجَ عَلَى الْأَسْمَاءِ لَا غَيْرُ، فَقُلْتَ: الْجُنْدُ رِجَالٌ، فَلِذَلِكَ جُمِعَتِ الظُّهُورُ وَوُحِّدَتِ الْهَاءُ، وَلَوْ كَانَ مِثْلُ الصَّوْتِ وَأَشْبَاهِهِ جَازَ الْجُنْدُ رَافِعٌ صَوْتَهُ وَأَصْوَاتَهُ
§قَوْلُهُ: {ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ} [الزخرف: 13] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمُ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْكُمْ بِتَسْخِيرِهِ ذَلِكَ لَكُمْ مَرَاكِبَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ {إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} [الزخرف: 13] فَتُعَظِّمُوهُ وَتُمَجِّدُوهُ، وَتَقُولُوا تَنْزِيهًا لِلَّهِ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا الَّذِي رَكِبْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ، مِمَّا يَصِفُهُ بِهِ الْمُشْرِكُونِ، وَتُشْرِكُ مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 13] وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
الصفحة 557