كتاب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد

مِنْ دُونِهِ ... } 1، إلى قوله: {قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} 2. وقال تعالى: {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} 3. قاله ابن كثير.
وقال ابن القيم: ومن كيد عدو الله أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه لئلا يجاهدوهم ولا يأمروهم بمعروف، ولا ينهوهم عن منكر. فأخبر تعالى أن هذا من كيده وتخويفه، ونهانا أن نخافهم، قال: والمعنى عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه قال قتادة: يعظمهم في صدوركم، ولهذا قال: {فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} 4. فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمان العبد قوي خوفه منهم. قلت: فأمر تعالى بإخلاص هذا الخوف له، وأخبر أن ذلك شرط في الإيمان، فمن لم يأت به لم يأت بالإيمان الواجب، ففيه أن إخلاص الخوف لله من الفرائض.
قال: وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ... } 5 الآية.
لما نفى تبارك وتعالى عمارة المساجد عن المشركين بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ ... } 6 الآية إذ لا تنفعهم عمارتها مع الشرك، كما قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} 7. أثبت تعالى في هذه الآية عمارة المساجد بالعبادة للمؤمنين بالله تعالى واليوم الآخر، المقيمين الصلاة المؤتين الزكاة، الذين لا يخشون إلا الله، ولا يخشون معه إلهًا آخر. كما قال تعالى: {وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} 8، فهذه هي العمارة النافعة، وهي الخالصة من الشرك، فإنه نار تحرق الأعمال.
وقوله: {وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} 9. قال ابن عطية: يريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة، ولا محالة أن الإنسان يخشى غيره، ويخشى المحاذير الدنيوية، وينبغي أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه.
__________
1 سورة الزمر آية: 36.
2 سورة الزمر آية: 38.
3 سورة النساء آية: 76.
4 سورة آل عمران آية: 175.
5 سورة التوبة آية: 18.
6 سورة التوبة آية: 17.
7 سورة الفرقان آية: 23.
8 سورة الأحزاب آية: 39.
9 سورة التوبة آية: 18.

الصفحة 419