كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

يبشّرهم (¬١)، ومرَّةً جعله شرطًا في حصول النصر والكفاية، ومرَّةً أخبر أنَّه مع أهله. وأثنى به على صفوته من العالمين، وهم أنبياؤه ورسله، فقال عن نبيّه أيوب: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)} [ص/ ٤٤]، وقال تعالى لخاتم أنبيائه ورسله: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف/ ٣٥]. وقال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل/ ١٢٧]، وقال يوسف الصدّيق وقد قال له إخوته: {أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)} [يوسف/ ٩٠].
وهذا يدلُّ على أنَّ الصبر من أجلّ مقامات الإيمان، وأنَّ أخصَّ النَّاس باللَّه وأولاهم به أشدُّهم قيامًا وتحقّقًا به، وأنَّ الخاصَّة أحوج إليه من العامّة.
الوجه الخامس: أنَّ الصبر سبب في حصول كلّ كمال ممكن (¬٢)، فأكملُ الخلقِ أصبرُهم، ولم يتخلف عن أحد كمالُه الممكن إلا من ضعف صبره. فإنَّ كمال العبد بالعزيمة والثبات، فمن لم تكن (¬٣) له عزيمة فهو ناقص، ومن كانت له عزيمة ولكن لا ثبات له عليها فهو ناقص. فإذا انضمَّ الثبات إلى العزيمة أثمرَ كلَّ مقامٍ شريفٍ وحالٍ كاملٍ، ولهذا في دعاء النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي رواه الإمام أحمد وابن حبَّان في صحيحه: "اللهمّ إنِّي أسألك الثباتَ في الأمر، والعزيمةَ على الرشد" (¬٤). ومعلوم
---------------
= المفهرس للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي.
(¬١) "ط": "أن يبشر به أهله"!
(¬٢) "ممكن"ساقط من "ط".
(¬٣) "ب، ك، ط": "يكن".
(¬٤) أخرجه أحمد (١٧١١٤)، والترمذي (٣٤٠٧)، والنسائي (٣/ ٥٤)، وفي =

الصفحة 578