كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)} [الحشر/ ٩]. فأخبر تعالى أنَّ إيثارهم إنَّما هو بالشيء الذي إذا وُقِي الرجلُ الشحَّ به كان من المفلحين. وهذا إنَّما هو فضول الدنيا (¬١)، لا الأوقات المصروفة في الطاعات؛ فإنَّ الفلاح كلّ الفلاح في الشحّ بها، فمن لم يكن شحيحًا بوقته تركه الناس على الأرض عريانا (¬٢) مفلسًا؛ فالشح بالوقت هو عمارة القلب وحفظ رأس ماله.
وممَّا يدلُّ على هذا أنَّه سبحانه أمر بالمسابقة في أعمال البرّ، والتنافس فيها، والمبادرة إليها؛ وهذا ضدّ الإيثار بها. قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} [آل عمران/ ١٣٣] وقال: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة/ ١٤٨] وقال: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)} [المطففين/ ٢٦]. وقال النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو يعلمُ الناسُ ما في النداء والصفّ الأوَّل لكانت قُرْعةً" (¬٣). والقرعة إنَّما تكون عند التزاحم والتنافس، لا عند الإيثار. فلم يجعل الشارع الطاعات والقربات محلًّا للإيثار، بل محلًّا للتنافس والمسابقة، ولهذا قال الفقهاء: "لا يستحبّ الإيثار بالقربات".
---------------
(¬١) "ف": "من فضول الدنيا"، خلاف الأصل. وفي حاشية "ب": "لعله: في" يعني: "في فضول. . .".
(¬٢) "ك، ط": "عِيانًا".
(¬٣) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (٤٣٩) عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه. وليس فيه ذكر النداء ولفظه: "لو تعلمون -أو يعلمون- ما في الصفّ المقدم لكانت قرعة". والنداء في حديثه الآخر الذي أخرجه البخاري في الأذان (٦١٥) وغيره ومسلم في الصلاة (٤٣٧) ولفظه: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلّا أن يستهموا عليه لاستهموا".

الصفحة 649