كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
وهذا الإحسان, وهذا التحنّن والعطف (¬١) والتحبّب إلى العباد، واللطف التامّ بهم!
ومع هذا كلّه بعد أن أرسل (¬٢) إليهم رسُله، وأنزل عليهم كتُبه، وتعرف إليهم بأسمائه وصفاته وآلائه؛ ينزل كلّ ليلة إلى سماء الدنيا يسأل عنهم (¬٣)، ويستعرض حوائجهم بنفسه، ويدعوهم إلى سؤاله، فيدعو مسيئَهم إلى التوبة، ومريضهم إلى أن يسأله أن يشفيه، وفقيرهم إلى أن يسأله غناه، وذا حاجتهم يسأله (¬٤) قضاءها كلّ ليلة. ويدعوهم سبحانه إلى التوبة، وقد حاربوه، وعذَّبوا أولياءه، وأحرقوهم بالنار. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)} [البروج/ ١٠]. قال بعض السلف: انظروا إلى كرمه، كيف عذبوا أولياءَه، وحرَّقوهم بالنار؛ ثُمَّ هو يدعوهم إلى التوبة!
فهذا الباب يدخل منه كلّ أحد إلى محبته سبحانه، فإنَّ نعمه (¬٥) على عباده مشهودة لهم، يتقلَّبون فيها على عدد الأنفاس واللحظات. وقد روي في بعض الأحاديث مرفوعًا: "أحبوا اللَّه لما يغذوكم به من نعمه، وأحِبّوني بحبّ اللَّه" (¬٦). فهذه محبة تنَشأ من مطالعة المنن والإحسان
---------------
(¬١) "ب": "التعطف".
(¬٢) "ف": "ومع هذا فقد أرسل"، خلاف الأصل.
(¬٣) سبق حديث النزول في ص (٤٦٤).
(¬٤) "ب": "أن يسأله".
(¬٥) "ك، ط": "نعمته".
(¬٦) أخرجه الترمذي (٣٧٨٩)، والبخاري في تاريخه (١/ ٨٣)، والطبراني في الكبير (٢٦٣٩)، والحاكم (٤٧١٦). قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، إنَّما نعرفه من هذا الوجه" وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم =