كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
وقوله: "وهذا شوق تغشاه المبار". هي جمع مبرَّة، وهي البِرّ، أي: أنَّ هذ الشوق مشحونٌ بالبِرّ مغشيٌّ به. وهو إمَّا بِرّ القلب وهو كثرة خيره؛ فهذا القلب أكثر القلوب خيرًا، يغلي (¬١) بالبرّ تقرّبًا إلى من هو مشتاق إليه، فهو يجيش بأنواع البرّ. وهذه من فوائد المحبة أنَّ قلب صاحبها تنبع (¬٢) منه عيونُ الخير، وتتفجَّر منه ينابيع البِرّ. أو (¬٣) يريد به أنَّ مبارّ اللَّه ونعَمه تغشاه على الدوام.
وقوله: "وتخالجه المسارّ". أي: يخالطه السرور في غضون أشواقه، فإنَّها أشواق لا وحشة معها ولا ألم، بل هي محشوّة بالمسرَّات.
وقوله: "ويقارنه الاصطبار". أي: صاحبه له قوة على اصطباره على مرضاة حبيبه لشدَّة شوقه (¬٤) إليه، وإنَّما يضعف الصبر لضعف المحبة. والمحبّ من أصبَر الخلق كما قيل:
نفسُ المحبِّ على الآلام صابرةٌ ... لعلَّ مُسْقِمَها يومًا يُداويها (¬٥)
---------------
(¬١) رسم الكلمة في الأصل يشبه: "يغل"، وأثبت ناسخ "ف": "يعل" وكتب في الحاشية: "كذا". وفي "ب، ك": "فعل". وفي "ط": "فيفعل البرّ". وهذا تغيير في النصّ فإنّ في النسخ كلها: "بالبرّ". والصواب -إن شاء اللَّه- ما أثبتّ. والتعبير مأخوذ من قول بعض السلف: "قلوب الأبرار تغلي بالبرّ، وقلوب الفجَّار تغلي بالفجور"، نقله المصنف في مفتاح دار السعادة (١/ ٤٠٧).
(¬٢) "ك، ط": "ينبع"، والمثبت من "ب".
(¬٣) "أو" ساقطة من "ك، ط".
(¬٤) "ب، ك، ط": "لشوقه".
(¬٥) أنشده يحيى بن معاذ الرازي (٢٥٨ هـ). انظر: طبقات الأولياء: (٢٤٠) وهو من قصيدة في ديوان الحلّاج (٣٠٩ هـ): (١٠٤)، وليست له.