كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
وأمَّا قوله تعالى: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} [التوبة/ ١١١] فهذا إنَّما قاله للشاكرين الذين يقاتلون في سبيله فيَقتُلون ويُقتَلون. ثمَّ وصفهم بعد ذلك بقيامهم بأعمال الشكر فقال: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)} [التوبة/ ١١٢] فهؤلاء هم (¬١) المستبشرون ببيعهم. جعلنا اللَّه منهم بمنِّه وكرمه.
فصل [محبتهم]
قال: "ومحبتهم فناؤهم في محبَّة الحقِّ، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ}؟ " (¬٢).
وقد تقدَّم الكلام على هذا بما فيه كفاية (¬٣). وبيّنَّا أنَّ البقاء في المحبة أفضل وأكمل من الفناء فيها من وجوه متعدّدة، وأنَّ الفناء إنَّما هو لضعف المحِبّ عمَّا حمل. وأمَّا الأقوياءُ فهم -مع شدَّة محبتهم- في مقام البقاءِ والتمييز.
وأمَّا استدلاله بقوله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس/ ٣٢]، فالآية إنَّما سيقت في الإنكار (¬٤) على من يعبد غير اللَّه ويشرك به. قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ
---------------
(¬١) "هم" ساقط من "ك، ط". وفي "ط": "المستبشرين"، خطأ.
(¬٢) محاسن المجالس (٩٦).
(¬٣) انظر: ص (٧٠٣ - ٧٠٥).
(¬٤) "ط": "في الكلام"، تحريف.