كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا}. وما ذلك إلا ثمار الجنَّة.
ثمَّ قال تعالى: {وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ}. هذا إشارة إلى شدَّة حاجته إلى جنَّته، وتعلُّق قلبه بها من وجوه: أحدها: أنَّه قد كبرت (¬١) سنّه عن الكسب والتجارة ونحوها. الثاني: أنَّ ابن آدم عند كبره (¬٢) يشتدّ حرصه. الثالث: أنّ له ذرية، فهو حريص على بقاء جنّته لحاجته وحاجة ذرِّيته. الرابع: أنَّهم ضعفاء، فهم كَلٌّ عليه، لا ينفعونه بقوتهم وتصرّفهم (¬٣). الخامس: أنَّ نفقتهم عليه، لضعفهم وعجزهم. وهذا نهاية ما يكون من تعلّق القلب بهذه الجنَّة: لخطرها في نفسها، وشدَّة حاجته وحاجة ذريته إليها (¬٤).
فإذا تصوّرت هذه الحال وهذه الحاجة، فكيف تكون مصيبة هذا الرجل إذا أصاب جنَّتَه إعصار، وهو (¬٥) الريح التي تستدير في الأرض، ثمَّ ترتفع في طبقات الجوّ كالعمود، وفيها (¬٦) نارٌ مرَّت بتلك الجنَّة، فأحرقتها، وصيرتها رمادًا؟ فصدق واللَّه الحسن: "هذا مثلٌ قلَّ من يعقله من الناس" (¬٧).
ولهذا نبَّه سبحانه على عظم هذا المثل، وحدا (¬٨) القلوب إلى التفكر فيه لشدَّة حاجتها إليه فقال: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ
---------------
(¬١) "ط": "كبر".
(¬٢) "ك، ط": "كبر سنه".
(¬٣) قراءة "ف": "يقوتهم ويصرفهم".
(¬٤) "إليها" سقط سهوًا من "ف". وفي "ط": "شدة حاجته وذريته".
(¬٥) "ط": "هي".
(¬٦) "ط": "وفيه".
(¬٧) كما سبق في ص (٨٠٦).
(¬٨) في الأصل: "حدى"، فقرأ ناسخ "ف": "جذب".