كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

أخذه وتترخَّصوا فيه، من قولهم: أغمض فلان عن بعض حقّه. ويقال للبائع: أغمِضْ، أي: لا تستقص كأنَّك لا تبصر (¬١). وحقيقته من إغماض الجفن، فكأنَّ الرَّائي لكراهته له لا يملأ عينه منه، بل يغُضّ (¬٢) من بصره، ويغمض عنه بعض نظره بغضًا له (¬٣).
ومنه قول الشاعر:
لم يفُتْنا بالوِتْرِ قومٌ ولِلضَّيْـ ... ـمِ رجالٌ يرضَون بالإغماض (¬٤)
وفيه معنيان: أحدهما: كيف تبذلون للَّه وتهدون له ما لا ترضون ببذله لكم، ولا يرضى أحدكم من صاحبه أن يُهديه له، واللَّه أحقّ مَن تُخُيِّرَ (¬٥) له خيارُ الأشياء وأنفسُها؟ والثاني: كيف تجعلون له ما تكرهون لأنفسكم، وهو سبحانه طيِّب لا يقبل إلا طيبًا؟
ثمَّ ختم الآية (¬٦) بصفتين يقتضيهما سياقهما، فقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)}. فغناه وحمده يأبى قبوله (¬٧) الرديء، فإنَّ قابل الرديء الخبيث إمَّا أن يقبله لحاجته إليه، وإمَّا أنَّ نفسه لا تأباه لعدم كمالها وشرفها. وأمَّا الغنيّ عنه، الشريف القدر، الكامل الأوصاف، فإنَّه لا يقبله.
ثمَّ قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ
---------------
(¬١) انظر: الكشاف (١/ ٣١٥).
(¬٢) "ط": "يغمض"، تحريف.
(¬٣) "له" ساقط من "ك، ط".
(¬٤) من ضاديّة الطرمّاح المشهورة في ديوانه (١٧٦).
(¬٥) "ك، ط": "يخير".
(¬٦) "ط": "الآيتين".
(¬٧) "ط": "قبول".

الصفحة 814