كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

ثمَّ قال تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} يعني من الكفار الذين في النار. فقالوا لهم: {مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)} يعني ما نفعكم جمعكم وعشيرتكم وتحزّبكم (¬١) على أهل (¬٢) الحقِّ ولا استكباركم. وهذا إمَّا نفي، وإمَّا استفهام توبيخ (¬٣)، وهو أبلغ وأفخم.
ثمَّ نظروا إلى الجنَّة فرأوا من فيها (¬٤) من الضعفاء الذين كان الكفار يسترذلونهم في الدنيا ويزعمون أنَّ اللَّه لا يختصّهم دونهم بفضله، كما لم يختصّهم دونهم في الدنيا، فيقول لهم أهل الأعراف: {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ} أيها المشركون أنَّ اللَّه تعالى لا ينالهم برحمة، فها هم في الجنَّة يتمتَّعون ويتنعّمون، وفي رياضها يُحبَرون، ثمَّ يقال لأهل الأعراف: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)} [الأعراف/ ٤٩].
وقيل: إنَّ أصحاب الأعراف إذا عيّروا الكفار، وأخبروهم أنَّهم لم تُغنِ عنهم جموعهم (¬٥) واستكبارهم، عيّرهم الكفار بتخلّفهم عن الجنة، وأقسموا أنَّ اللَّه لا ينالهم برحمة، لما رأوا من تخلّفهم عن الجنة، وأنَّهم يصيرون إلى النار، فتقول لهم الملائكة حينئذ: {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)} (¬٦).
---------------
(¬١) قرأ ناسخ "ف": "تجرّيكم". وكذا في غيرها. ولكن نقطة الزاي واضحة في الأصل. وتحت الحاء نقطة أيضًا ولكنها للفاء في كلمة "فيها" الواردة في السطر التالي.
(¬٢) "أهل" ساقط من "ك، ط".
(¬٣) "ك، ط": "وتوبيخ".
(¬٤) "من فيها" ساقط من "ك، ط".
(¬٥) "ط": "لم يغن عنهم جمعهم".
(¬٦) ذكر القولين الطبري في تفسيره (١٢/ ٤٧١ - ٤٧٢). وانظر: تفسير البغوي =

الصفحة 834