كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

واحتجوا أيضًا بما روى البخاري في صحيحه (¬١) في حديث احتجاج الجنَّة والنار عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: "وأمَّا النَّار فينشئ اللَّه لها خلقًا يُسكنهم إيَّاها" قالوا: فهؤلاء ينشَؤون للنَّار بغير عمل، فلأنْ يدخلها مَن وُلِد في الدنيا بين كافرين أولى. وهذه حجّة باطلة (¬٢)، فإنَّ هذه اللفظة وقعت غلطًا من بعض الرواة، وبيَّنها البخاري رحمه اللَّه في الحديث الآخر -وهو الصواب- فقال في صحيحه (¬٣): حدَّثني عبد اللَّه بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدئنا معمر، عن همَّام، عن أبي هريرة، قال النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تحاجَّت الجنَّة والنَّار، فقالت النَّار: أُوثرت بالمتكبّرين والمتجبّرين. وقالت الجنَّة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاءُ النَّاس وسَقَطُهم؟ قال اللَّه عزَّ وجلَّ للجنَّة: أنتِ رحمتي أرحم بكِ من أشاءُ من عبادي. وقال للنَّار: أنتِ عذابي أُعذِّبُ بكِ من أشاء من عبادي، ولكلّ واحدة منكما ملؤها. فأمَّا النَّار فلا تمتلئ حتَّى يضع (¬٤) رِجلَه، فتقول: قطْ، قطْ. فهنالك تمتلئ، ويُزوَى بعضُها إلى بعض، ولا يظلم اللَّه من خلقه أحدًا. وأمَّا الجنَّة فإنَّ اللَّه ينشئ لها خلقًا". فهذا هو الذي قاله رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بلا ريب، وهو الذي ذكره في التفسير.
وقال (¬٥) في باب ما جاء في قول اللَّه تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)} [الأعراف/ ٥٦]: حدثنا عبيد اللَّه (¬٦) بن سعد، حدَّثنا
---------------
(¬١) في كتاب التوحيد (٧٤٤٩)، وسيأتي نصّ الحديث بتمامه.
(¬٢) وهذا الردّ أيضًا نقله المؤلف في أحكام أهل الذمة (٦٢٩) عن شيخه.
(¬٣) في كتاب التفسير (٤٨٥٠).
(¬٤) "ك، ط": "يضع الجبار عزّ وجلّ".
(¬٥) "قال" ساقط من "ط".
(¬٦) في الأصل وغيره: "عبد اللَّه"، وكذا في أحكام أهل الذمة (٦٣٠). والصواب ما =

الصفحة 850