كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
أحدها: أن اللَّه سبحانه لا يعذب أحدًا إلَّا بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)} [الإسراء/ ١٥]. وقال: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء/ ١٦٥]. وقال: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الملك/ ٨ - ٩]. وقال تعالى: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)} [الملك/ ١١]. وقال تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)} [الأنعام/ ١٣٠]. وهذا كثير في القرآن، يخبر أنَّه إنَّما يعذب من جاءَه الرسول وقامت عليه الحجة، وهو المذنب الذي يعترف بذنبه.
وقال تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)} [الزخرف/ ٧٦]. والظالم من عرف ما جاءَ به الرسول أو تمكن من معرفته، ثمَّ خالفه وأعرض عنه. وأمَّا من لم يكن عنده من الرسول خبر أصلًا، ولا تمكن من معرفته (¬١) بوجه، وعجز عن ذلك، فكيف يقال إنَّه ظالم؟
الأصل الثاني: أنَّ العذاب يُستَحَق بشيئين (¬٢): أحدهما: الإعراضُ عن الحجة، وعدمُ إرادة العلم بها (¬٣) وبموجَبها. الثاني: العنادُ لها بعد قيامها، وترك إرادة موجبها. فالأَوَّل كفر إعراض، والثاني كفر عناد.
---------------
(¬١) "ثم خالفه. . . " إلى هنا سقط من "ط" أو أصلها لانتقال النظر، فزاد بعد "بوجه": "وأما من لم يعرف ما جاء به الرسول"!
(¬٢) هذه قراءة "ف، ب". وفي "ك، ط": "بسببين".
(¬٣) "العلم" ساقط من "ك". وفي "ط": "إرادتها والعمل بها".