كتاب التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (اسم الجزء: 4)
وقوله: (بنَاءً .. إلى آخره) يعني ومنشأ الخلاف أن المشهور نظر إلى أن بالطلاق حصل التحريم، والتحريم لا يرفعه إلا الرجعة إن كانت الزوجة مدخولاً بها، أو تجديد العقد إن كانت غير مدخول بها فتلك الرجعة، وذلك العقد يشترط في صحتهما بقاء بعض أهل العصمة الأولى وبقاء البعض مشكوك فيه، فحصل الشك في صحة الرجعة والعقد فيبقى على الأصل المتيقن قبلهما وهو التحريم، ورأى في الشاهد أن ملك الثلاث متيقن وقد وقع الشك فيما زاد عليها، والأصل انتفاء ما لم يتيقن وقوعه، والواحدة هي المتبقية فلا يقع غيرها. وفهم من قوله: (وحِلَّ الرَّجْعيةِ مَشْكُوكُ) أن الرجعة محرمة وهو المذهب كما سيأتي، وفهم أيضاً أن هذا الخلاف إنما هو في المدخول بها لأنها التي فيها الرجعة، وأما غيرها فالواحدة تحرمها وقد تحقق ذلك.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَمَتَى تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ وطَلَّقَهَا وَاحِدَةً واثْنَتَيْنِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ إِلا بَعْدَ زَوْجٍ أَبَداً لِدَوَرَانِ الشَّكِّ مَا لَمْ يَبُتَّ، ورَوَى أَشْهَبُ زَوَالَهُ بَعْدَ ثَلاثِةِ أَزْوَاجٍ وتَطْلِيَقَتَيْنِ ..
يعني: وإذا فرعنا على المشهور من إيقاع الثلاث ثم زوجها بعد زوج، ثم طلقها واحدة لم تحل له إلا بعد زوج، وكذلك في زوج ثالث ورابع، قال في المدونة: ومائة زوج، لأنه إذا تزوجها ثانياً وطلقها واحدة، قلنا يحتمل أن يكون طلقت اثنتين، فتكون هذه الطلقة مكملة الثلاث. فإذا تزوجها ثالثاً بعد زوج ثان فكذلك، لأنه يحتمل أن يكون المشكوك في عدده أولاً واحدة، وكذلك يفعل فيما بعد ذلك.
عياض: ويجرى على هذا ولو بعد ألف زوج، ولهذا تلقب هذه المسألة بالدولابية لدورانها هكذا، وكذلك إذا طلقها اثنتين، ولا يحصل الدوران مع الاختلاف وإن كان ظاهر كلام جماعة حصوله، وبيان ذلك إذا طلقها طلقتين في الثاني وفي الثالث طلقة وفي الرابع طلقة، فإن فرض المشكوك فيه ثلاثاً فهذه الأخيرة هي أول عصمة مستأنفة، فإن فرض اثنتين فتكون ثانية، وذلك إن فرض واحدة فاعلمه.